الفقر العاطفي وليس الحوت الأزرق

المراهقون لا ينتحرون بسبب لعبة، بل تجتمع عدة أسباب وراء إقدامهم على هذا الفعل المُشين الذي يعبّر عن فشل الإنسان في الحياة، بعد أن فقد بوصلة التفكير السليم.
الجمعة 2018/05/04
أطفال فقدوا بوصلة التفكير السليم

وصلني صوت شقيقتي عبر الهاتف مبهورا وحزينا وهي تتحدث عن ابن جارتها البالغ من العمر ثلاثة عشر عاما أقدم على الانتحار مؤخرا، وبسبب أصبح شائعا ومتداولا في بعض البلدان العربية يعزى إلى لعبة “الحوت الأزرق”.

بالطبع شقيقتي ترى في هذه اللعبة جحيما متربصا بالأطفال والمراهقين، بالرغم من أنها لا تعرف شيئا عنه، وعملت على حجبها عن ولدها الوحيد وتحذيره منها بأسلوب الترهيب والتخويف، كما سيعمل بقية جيرانها ومن سمعوا بانتحار الفتى على إبقاء أطفالهم بمنأى عنها.

لست مخوّلة بالحديث على لعبة أجهلها، لكنني أملك تفسيرا منطقيا للنظر في دوافع البعض من هذه الحوادث التي أصبحت شائعة في المجتمعات، ولا يمكن أن أؤمن بالخرافة، صحيح هناك دافع نفسي قد يعزوه خبراء علم النفس إلى المرحلة الانتقالية لدى المراهقين التي تتسم بالارتباك النفسي والتقلب في المزاج والميولات، قبل العبور إلى مرحلة النضج، وقد يصل الأمر بالبعض إلى فقدان القدرة على ضبط النفس فيقدمون على الانتحار.

الانتحار ارتبط كثيرا بالمراهقين لسبب نفسي، قد لا يكون له علاقة بالحرمان، بل في أغلب الحالات مرتبط بإحساس غامض ينتاب المراهقين حول تحقيق الذات، فبمجرد أن يشعر المراهق أنه عاجز عن تحقيق ذاته بينما الأحلام والطموحات تحاصره بشكل غير مسبوق، يصبح منهكا فكريا ومضطربا نفسيا، مما يفقده القدرة على التحكم بما يجول في رأسه، إلى أن يصل به الأمر إلى الشعور بالإنهاك الفكري والنفسي فيُقدم على الانتحار.

وقد يتعمّد البعض من المراهقين الانتحار رغبة في تقليد أبطال السينما والتشبه بممثلين مشهورين في التلفزيون في مسعى منهم لكي يكونوا أبطالا في نظر الآخرين.

ومردّ كل ذلك على ما أعتقد يعود إلى افتقادهم للإحاطة العاطفية والحنان داخل الأسرة، فلو شعر المراهق أنه يعيش في جوّ أسري مليء بالحب والمرح والدعم النفسي في هذه المرحلة الحرجة من العمر، فلا أعتقد أنه سيُقدم على إنهاء حياته بهذا الشكل البشع.

أرجح أن المراهقين لا ينتحرون بسبب لعبة، بل تجتمع عدة أسباب وراء إقدامهم على هذا الفعل المُشين الذي يعبّر عن فشل الإنسان في الحياة، بعد أن فقد بوصلة التفكير السليم التي توجّهه عند الإحساس بالمأزق.

سبق وأن حذّر باحثون نفسيون من افتقاد المودّة والحنان خلال مراحل نموّ الطفل المختلفة، لأنه قد ينتج عن الافتقار إلى مثل هذه العواطف عواقب وخيمة، لا يمكن التنبؤ بمدى خطورتها على الطفل.أدرك مثلما يدرك الآباء والأمهات أن وتيرة الحياة السريعة وتراكم المشاغل اليومية على أعتاقهم، تجعل وقتهم ضيّقا وأذهانهم مشتتة وغير قادرة على إحاطة أولادهم بالرعاية التي كانت قائمة في مراحل طفولتهم الأولى.

 لكن هذا لا يمنع من أن يتذكّر أولياء الأمور أن أبناءهم أغلى ما عندهم في الحياة، ويجب عليهم أثناء اقترابهم من المراهقة، أن يخصّصوا لهم مزيدا من الوقت ويظهرون لهم كم يكنّون لهم من الحب والمودة، عن طريق بث مجموعة من الرسائل العاطفية، التي يمكن أن تشيع أجواء الدفء العاطفي والأمان الأسري.

انتحار المراهقين أمر شائع في الكثير من المجتمعات بما فيها المتقدّمة والتي يغلب عليها أجواء الأمان والحياة الكريمة، لكن ما يشاع اليوم عن انتحار الأطفال في بعض البلدان العربية، بسبب لعبة “الحوت الأزرق” هو تفسير ضيّق للظروف التي أحاطت بهؤلاء الصغار، ودفعتهم إلى ذلك الفعل الشنيع.

21