الفقر والتوتر النفسي يهددان مستقبل الطفل

تمثل مشكلة الفقر ظاهرة عالمية خطيرة في تأثيرها على حياة ومستقبل الملايين من البشر، الذين ما زالوا يكابدون المر من أجل تحصيل لقمة العيش. إلا أن أكثر مساوئ الفقر يتمثل في تهديدها لمستقبل ملايين الأطفال حول العالم ومعاناتهم من الجوع والتهميش والحرمان من التعليم واضطرارهم إلى العمل في ظروف قاهرة، لا تتناسب وسنهم الصغيرة ما يحرمهم من القيام بأدوارهم الحقيقية في الحياة.
الأربعاء 2015/08/26
الأطفال الذين يعيشون في بيئة فقيرة يتلكأون في إكمال تحصيلهم العلمي

في دراسة حديثة، أجراها باحثون في ولاية بنسيلفانيا الأميركية بمشاركة باحثين من جامعتي نيويورك وتشابل هيل، تبين بأن الإجهاد والضغوطات الناجمة عن المعاناة من الفقر بإمكانهما أن يضعفا من أداء الأطفال الدراسي، في واحد من أبرز الآثار السلبية للفقر التي تهدد مستقبل هؤلاء الصغار.

ورصدت الدراسة حياة أكثر من 1300 تلميذ في مستويات عمرية مختلفة ولمدة 24 شهراً، مع رصد لطبيعة الحياة المنزلية والمستوى المعيشي، إضافة إلى مدى إسهام الوالدين في تحفيز الأبناء على التحصيل الثقافي والأكاديمي، وقياس هورمون الإجهاد لغرض تحديد مستويات التوتر.

وأكدت النتائج على أن الأطفال الفقراء يعانون من مستوى مرتفع من التوتر والإجهاد النفسي، مقارنة بالأطفال الآخرين. ويذكر بأن للتوتر النفسي تأثيرا سلبيا على الوظائف التنفيذية للدماغ مثل التفكير في المستقل والإبداع، كما أثبتت النتائج بأن الأطفال الفقراء قد يعانون من هذا النوع من التوتر حتى في سن مبكرة، وقد تكون ابتداءً من سن الثالثة من العمر. كما أن التوتر النفسي يمكن أن يفضي إلى مشاكل حياتية أخرى، مثل إهمال الوالدين وتدني التحصيل الدراسي في حين أن الطفل الذي يعاني من الفقر مبكراً قد يستمر في معاناته هذه مع تقدمه في العمر.

وتتوالى الأدلة البحثية مجدداً في تسليط الضوء على الفقر وأثره في نمو الدماغ والتحصيل الأكاديمي المتدني، إذ أن العديد من الأبحاث في هذا المجال ما زالت تؤكد وتوثق الدور الكبير الذي تلعبه الحالة الاجتماعية – الاقتصادية على مستوى التحصيل الدراسي، حيث أن الأطفال الذين يعيشون في مستويات اقتصادية فقيرة أكثر ميلاً إلى تحصيل درجات دنيا في الاختبارات الموحدة (المعيارية) مقارنة بزملائهم الذين ينتمون إلى أسر متوسطة أو مرتفعة الدخل، كما أنهم في الغالب يتلكأون في إكمال تحصيلهم في الدراسة الثانوية ويخفقون في دخول الجامعة. إلا أن دراسات حديث أظهرت -إضافة إلى ذلك- بأن الفقر قد يكون تأثيره سلبيا في بنية أدمغة الأطفال، خاصة الجزء المتخصص بحجم المادة الرمادية في الدماغ وهي المسؤولة بشكل ما عن تخزين المعلومات.

استمرار الأطفال الفقراء في التواجد في بيئات فقيرة قد يزيد الهوة بينهم وبين أقرانهم الذين يعيشون في مستويات أفضل

الدراسة التي اعتمدت نتائجها على البيانات التي تم جمعها من قبل مركز الإحصاء الوطني الأميركي للتعليم، أوضحت بأن هذا التقسيم الطبقي (الاجتماعي والاقتصادي) يخلق بيئة غير صحية من عدم تكافؤ الفرص، حيث أن استمرار الأطفال الفقراء في التواجد في بيئات فقيرة قد يزيد الهوة بينهم وبين أقرانهم الذين يعيشون في مستويات أفضل، ليس في ما يتعلق بالتحصيل الأكاديمي فحسب بل يمتد أثره إلى المستقبل، لذلك يوصي المتخصصون التربويون بضرورة مكافحة مشكلة الفقر في المقام الأول.

ويرى الباحثون بأن الأطفال الذين ينشأون في بيئات فقيرة، يعانون من مجموعة ضغوطات في طفولتهم المبكرة بسبب ضيق ذات يد آبائهم الذي يتبدى في توترهم المستمر الذي ينعكس على بيئة المنزل بصورة مباشرة، كما أن هؤلاء الصغار أقل قدرة على الوصول إلى المصادر التعليمية المختلفة بسبب القيود المادية وأقل تعرضاً لمفردات اللغة المنطوقة وللرعاية بصورة عامة، بسبب غياب الوالدين أو أحدهما طوال اليوم للعمل لتحصيل لقمة العيش وانشغال الأم في أعمال المنزل التي تبدو أكثر شقاءً، بسبب عدم توافر الظروف المعيشية المناسبة وغياب ضرورات الحياة.

هذه العوامل وغيرها مجتمعة، من شأنها أن تحدث تغييرات في بنية ووظائف الدماغ في ما يتعلق بالمهارات التعليمية المكتسبة. أما المقارنة بين الأطفال فبيّنت بأن الفقراء منهم لا يحصلون على رعاية أبوية كافية في شتى جوانب حياتهم مقارنة بأقرانهم الأوفر حظاً، كما أن الفقراء من الأطفال معرضون لمستويات أعلى من الضغوطات والعنف يوميا، إضافة إلى المعاناة من عدم الاستقرار الأسري. وبسبب طبيعة التقشف المعيشي التي تتبعه الأسر الفقيرة، فإنها تبدي استعداداً أقل لتحفيز أبنائها الصغار وحثهم على تطوير مهاراتهم المعرفية.

في العام 2014، أشار الدكتور نيكولاس وولش، أستاذ الطب النفسي في جامعة كامبريدج في المملكة المتحدة، في نتائج دراسته عن أثر الضغوط النفسية في الطفولة والمراهقة المبكرة على حجم المادة الرمادية في الدماغ، إلى أن أدمغة الصغار الذين تعرضوا إلى هذه الضغوط ابتداءً من الشهور الأولى وحتى بلوغهم الحادية عشرة من العمر، تقل حجم المادة الرمادية في أدمغتهم كما يبدو المخيخ وكأنه أصغر حجماً من أقرانهم.

وأكد الدكتور وولش على أنه على الرغم من أن التعرض لأشكال حادة من الإهمال أو سوء المعاملة أو التعرض إلى الاضطهاد في هذه السن المبكرة، قد يتسبب في تغيير بنية الدماغ وحتى حجم المخيخ. إلا أن المستويات القليلة أو المتوسطة من الصعوبات التي يواجهها الصغار في أسرهم قد يكون لها تأثير سلبي مماثل.

كما أشار متخصصون إلى أن حجم المخيخ الأصغر، ربما يكون علامة تحذيرية تنبئ بإمكانية حدوث مشاكل خاصة بالصحة العقلية في المستقبل. ولهذا، فإن تجنيب الأطفال التعرض للبيئات الاجتماعية السلبية في مراحل نموهم المبكرة، من شأنه أن يعزز من نمو الدماغ بصورة نموذجية كما أنه يحد من مخاطر التعرض لمشكلات الصحة النفسية في مستقبل حياتهم.

21