الفقر والجهل ليسا شرطين لتنامي المد الجهادي في تونس

أضحى التنامي الإرهابي في تونس يسيل الكثير من حبر المحللين والخبراء حول الظروف التي ساعدت على استفحال الظاهرة في بلد يعرف بأنه من بين أكثر البلدان العربية انفتاحا. ولئن اعتبرت حادثة متحف باردو، نقطة فارقة تعلن عن تحول نوعي في عمليات الإرهابيين في تونس، فقد أطلقت هوية منفذي العملية وظروفهما الاجتماعية الميسورة نسبيا، صفارة إنذار عن تغلغل الأفكار المتشددة حتى في أوساط الطبقة الوسطى، التي طالما اُعتبرت بمثابة صمام أمان سياسي واجتماعي بالنسبة إلى التونسيين أمام أي ارتداد إلى الوراء.
الثلاثاء 2015/05/19
الشباب التونسي المتعلم لم يعد بمعزل عن التأثر بالأفكار المتشددة

كان جابر طالبا بالقسم الأدبي في المرحلة الثانوية ويساعد والده أحيانا في جني الزيتون في قريته النائية قرب الحدود التونسية الجزائرية. أمّا رفيقه فكان أيضا شابا في مقتبل العمر يعيش في العاصمة تونس، وكان يبدو أنيقا ومفعما بالحياة والحيوية ويعشق ارتداء أفخم الملابس المستوردة.

جابر الخشناوي وياسين العبيدي شابان ينحدران من عائلتين من الطبقة الوسطى، وحصلا على تعليم جيد ولم يظهر عليهما إلا النذر اليسير من ملامح التشدد الديني.

وفي شهر مارس الماضي، هاجم الخشناوي والعبيدي متحف باردو بالعاصمة تونس. وخلال الهجوم الذي استمر ثلاث ساعات، احتجزا خلاله رهائن وتمكّنا من قتل شرطي و21 سائحا أجنبيا، ثم اقتحمت قوات الأمن المتحف وقتلت المهاجمين لتنهي واحدا من أكثر الهجمات دموية في تاريخ البلاد.

نقطة فارقة

كانت حياة الشابين التونسيين تبدو عادية، إلى أن حصل منعرج فارق أسهم في جرّهما إلى المنزلق الجهادي، حين سافرا إلى ليبيا في شهر ديسمبر 2014 وأمضيا أوقاتا في معسكرات تدريب يشرف عليها جهاديون في ليبيا، وفقا لمسؤولين في وزارة الداخلية، قبل أن يعودا إلى تونس بفكر أكثر تشددا وتدريب عسكري وقتالي مكتمل.

ومثلما غادرا تونس عبر مسالك تهريب عادا إليها عبر نفس الطريق بمساعدة مهربين عبر الحدود التونسية الليبية الشاسعة.

تظهر قصة الشابين كيف أصبحت مهمة تونس شائكة ومعقدة في وقف مثل هذه الرحلات.

وفتحت عملية باردو باب الجدل من جديد حول كيفية تعزيز الأمن والاستقرار مع المحافظة على الحريات الناشئة التي أتاحتها الانتفاضة التي أطاحت بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي من الحكم قبل أكثر من أربع سنوات.

وتعدّ تونس واحدة من أكثر الدول العربية علمانية، وقد حصدت إشادة واسعة مع إكمال انتقالها الديمقراطي بنجاح توّج بإجراء انتخابات حرة ودستور جديد وتوافق سياسي بين الإسلاميين والعلمانيين.

هادي يحمد: السجون كانت تربة خصبة لتفريخ المئات من الجهاديين الجدد

ولكن في الوقت نفسه أصبحت تونس أكبر مصدر للمقاتلين الأجانب في سوريا والعراق ضمن تنظيم “الدولة الإسلامية”، بحوالي ثلاثة آلاف مقاتل، ولكن هذا ليس كل شيء، فالتونسيون أصبحوا يحتلون مواقع متقدمة في صفوف هذه الجماعات في سوريا وليبيا ومنهم من يشرف على معسكرات تدريب في ليبيا وآخرون يقومون بذبح رهائن.

ويقول رفيق الشلي، المسؤول بوزارة الداخلية التونسية، إنّ عدد المقاتلين التونسيين في ليبيا فقط يصل إلى نحو 800 مقاتل منهم الاثنان اللذان عادا لتنفيذ هجوم باردو الدامي.

وفي مزرعة صغيرة بمنطقة إبراهيم الزهار بقرية سبيبة النائية التابعة لمحافظة القصرين، قال عزالدين الخشناوي، والد جابر أحد مهاجمي متحف باردو، إنه لا يعلم كيف اعتنق ابنه هذا الفكر العنيف. وأضاف بنبرة امتزج فيها الألم والمرارة بالحيرة “هل هي المساجد؟ هل هي شبكات تجنيد؟ لا أعرف حقا. لكن ما أعرفه جيدا أني ربيت ابني بشكل لائق.

ومضى قائلا “ابني خسر حياته وهو في مقتبل العمر، ولكنه أزهق أيضا أرواح أناس أبرياء أتقدم لهم بالتعازي وأطلب من عائلاتهم العفو لأنهم قتلوا بلا ذنب”.

وقال مسؤول أمني كبير، خيّر عدم الكشف عن اسمه، “إنّ المهاجمين هما نتاج التحول السياسي الكبير في تونس منذ انتفاضات الربيع العربي”. وأضاف “الأمر يشبه قدرا كان يغلي بقوة ثمّ انفجر بعد فتحه. الشبان الذين يسافرون للقتال هم قنابل موقوتة قد تنفجر في أي وقت عند عودتهم إلى بلدهم”.

وبالفعل عاد إلى تونس حوالي 500 مقاتل كانوا في سوريا، اُعتقل عدد منهم بينما يخضع آخرون لمراقبة أمنية مشدّدة.

أمام المعهد يزرع فكر "الجهاد"

يقع بيت جابر الخشناوي على سهل من أشجار الزيتون ومزارع فاكهة في قرية سبيبة التي تضم حوالي ستة آلاف نسمة وتضم فئات اجتماعية هشة.

ولم يكن جابر الخشناوي ذا الحادي والعشرين عاما أميّا ولا فقيرا ولا عاطلا، بل كانت ظروفه عادية وكان يحصل على مصروفه اليومي من مساعدة والده في الاعتناء بالمزرعة ومن جني التفاح خلال العطلات الدراسية. وينتمي جابر إلى عائلة تضم ثلاثة أعمام مدرّسين وأختا تدرس في شعبة الآداب بالجامعة. تقول عائلته إنّ جابر لم يظهر تغييرا كبيرا في البيت حتّى يتحول من شاب عادي إلى جهادي متشدّد يخلّف القتلى والدمار واللوعة في نفوس عائلته وعائلات ضحاياه.

جابر كان يركب الحافلة يوميا في ساعة مبكرة ليصل إلى معهده بعد رحلة طولها 18 كيلومترا. ويقول والده عزالدين إن ابنه كان يجتمع مع العائلة ويناقش معها كل مواضيع البرامج التلفزيونية، وإنه لا تستفزه إلا صور القتل والدمار في سوريا أو صور النساء العاريات التي تجبره على الخروج من البيت احتراما للعادات الاجتماعية.

حادثة باردو الإرهابية جلبت تعاطفا دوليا مع التونسيين في الوقت الذي أثارت فيه أسئلة عديدة حول أسباب تنامي الخطر الإرهابي في تونس
وإذا كانت حياة جابر تبدو عادية في البيت مع العائلة، فإنّ التحول الذي عاشه في المعهد كان قويا، حسب زملائه ومدرسيه في منتصف 2014.

ويقول عبداللطيف الخشيني، رئيس بلدية سبيبة، إنه في 2012 و2013 نصب سلفيون متشددون خياما دعوية في ساحة واسعة أمام المعهد لبث الخطب الدينية وحث الطالبات على ارتداء الحجاب وإقامة الصلاة.

ويضيف أن المسجد الرئيسي في سبيبة كان في نفس الوقت تحت سيطرة سلفيين وإمام متشدد يلقي خطبا تدعو إلى نصرة المعارضين للرئيس السوري بشار الأسد.

وكانت الجماعات السلفية، بعد الانتفاضة وخروج عدد كبير من المنتسبين إليها من السجون، قد انقسمت إلى شقّين: أحدهما اختار العمل السياسي وكوّن أحزابا معترفا بها مثل حزب التحرير، والآخر اختار مواجهة حكام تونس ووصفهم بالكفّار العلمانيين.

واستفاد المتشدّدون من مناخ الحريّة بعد الانتفاضة وسيطروا على المئات من المساجد في البلاد وأقاموا خياما دعوية في الأماكن العامة وأمام المدارس.

وبدأت الحكومة منتصف العام 2013 حملات واسعة لاسترجاع نفوذها على المساجد، لكن المعركة لم تكن سهلة. ولا يزال متشددون يسيطرون على عدد قليل من المساجد حتى الآن.

وأمام معهد سبيبة، قال شاب اسمه أمين “كانوا يقيمون خياما دعوية ويبثون خطبا عن الصلاة وضرورة ارتداء الحجاب وعن الجهاد”.

أما الخشيني- وهو مدرس فلسفة في معهد سبيبة – فيرى أن جابر سقط ببطء فريسة بأيدي المتشددين. فبعد أن كان طالبا عاديا مثل بقية أقرانه بدأ في التحول منتصف العام الدراسي، وأصبح يؤم زملاءه في الصلاة بالمعهد.

ويروي الخشيني كيف أنه صار أكثر حدة في النقاش خصوصا في درس الفلسفة، وكيف أضحى يختار مرّات مقاطعة النقاش والانزواء في مكان بآخر الفصل ليكتفي بالسخرية عندما يكون الدرس عن الأنا والآخر أو الحرية والدين والسياسة.

نورالدين المباركي: الجماعات الجهادية تركز على استقطاب الشبان من الطبقات الوسطى

وفي ديسمبر الماضي اختفى جابر فجأة قبل أن يتّصل بعائلته من رقم هاتف ليبي ويخبر والده بأنّه يعتزم الذهاب إلى العراق. ويقول الأب إنّه ألحّ عليه بالرجوع إلى البيت، ولكنه رفض قائلا “أنا بخير في أرض الله ولا يمكنني العودة”.

ويقول رئيس بلدية سبيبة، إن أكثر من 20 شابا من بينهم مدرسون وصيدلي سافروا من المنطقة للقتال في سوريا وليبيا ضمن تنظيمات متشددة خلال العامين الماضيين.

يوم عادي وهجوم غير عادي

ياسين العبيدي ذو السبعة والعشرين عاما، والذي شارك الخشناوي في الهجوم على المتحف ينحدر أيضا من عائلة تنتمي إلى الطبقة الوسطى. وكان العبيدي مقبلا على الحياة مهتما بآخر صيحات الموضة ويرتدي أفخم الملابس المستوردة.

لم يظهر هذا الشاب الذي يقطن مع عائلته بيتا مكونا من طابقين في منطقة “كرش الغابة” شمال غرب العاصمة تونس علامات التشدد الديني، بل كان يراقص الفتيات في حفلات العائلة ولا يرفض أن يرى خاله يشرب الخمر في البيت، وفقا لما ذكره أقاربه.

ولكن ياسين بدأ العام الماضي في التردّد على جامع التوبة بالحي الذي يسكنه والذي يسيطر عليه سلفيون منذ انتفاضة 2011. وكان يلتقي مع شبان آخرين يتبادلون الأفكار بشأن الدين ويستمعون لدروس دينية في المسجد ويتحدثون عن الوضع في سوريا وليبيا.

وفي ديسمبر 2014 غادر ياسين بيته حيث كان يقيم مع أمه وأبيه وأخته، وأخبر عائلته بأنه ذهب لمدينة صفاقس جنوب العاصمة للبحث عن عمل، ليتضح لاحقا أنه التحق بمعسكر لتدريب الجهاديين في ليبيا حيث تلقى تدريبات مع الخشناوي ليعودا إلى تونس مثلما غادراها على متن سيارات تهريب عبر الحدود الشاسعة مع ليبيا، وفقا لما ذكره مسؤولون.

ولكن ياسين العبيدي عاد إلى بيته من جديد وكأنّ شيئا لم يكن وتسلّم عملا مع أخته في وكالة للأسفار والسياحة.

لا شيء كان يبدو غير عادي في حياته حتى يوم الهجوم على متحف باردو. تناول ياسين فطوره ثم ذهب إلى عمله ليطلب بعد ذلك مهلة صغيرة ويلتقي بجابر الخشناوي ليشرعا في تنفيذ هجوم مروع مثّل صدمة قوية للحكومة والشعب التونسيين.

وليست قصة الشابين اللذين نفذا عملية باردو الإرهابية، الوحيدة أو هي الأولى من نوعها في تونس، حيث روت عائلات أخرى، وكلها من مستوى اجتماعي عادي تضم مدرسين ورياضيين وحاصلين على شهادات جامعية، قصصا مشابهة.

السجون كانت تربة خصبة لتفريخ المئات من الجهاديين الجدد حيث كانت تعج بقدامى المقاتلين المخضرمين في الشيشان والعراق وأفغانستان

وفي مدينة سوسة السياحية المعروفة والتي تعتبر من بين إحدى أكثر المدن ليبرالية وانفتاحا في تونس، توجد عائلة نضال السالمي – وهو لاعب كرة قدم محترف في النجم الساحلي وفي منتخب بلاده- التي فقدت ابنها بعد أن ترك ميادين الكرة وانضم لميادين القتال في سوريا، حيث التحق بتنظيم الدولة الإسلامية ليُقتل هناك بداية العام 2014، أي بعد أشهر قليلة من سفره إلى سوريا.

ويقول البعض إن أول حكومة إسلامية (سيطرت عليها حركة النهضة) بعد الثورة، أظهرت تساهلا وتراخيا مع المتشددين الإسلاميين الذين أحكموا سيطرتهم على المئات من المساجد في أكثر المدن واستعملوها كمنابر تُحرّض على العلمانيين وتحث على الدعوة للقتال في سوريا وليبيا والعراق لنصرة المقاتلين الإسلاميين.

لكن الحكومة الانتقالية التي حلت محل حكومة الإسلاميين، بدأت مطلع 2014، حملة أكثر قوة لاسترجاع السيطرة على المساجد ودخلت في صراع معلن وقوي مع المتشددين.

وبدأت الحكومة بتنفيذ قرارات غلق المساجد خارج أوقات الصلاة لأول مرة بعد الانتفاضة. وواصلت حكومة الائتلاف التي تولت السلطة نهاية العام الماضي الحملة على الجماعات الدينية وأحكمت الرقابة على مواقع جهادية على الإنترنت وأغلقت أيضا مدارس دينية وجمعيات إسلامية قالت “إنها تستعمل لبث الفكر العنيف وتمويل الإرهاب”.

ويقول الكاتب والصحفي الهادي يحمد “إنّ السجون كانت تربة خصبة لتفريخ المئات من الجهاديين الجدد حيث كانت تعج بقدامى المقاتلين المخضرمين في الشيشان والعراق وأفغانستان مثل سيف الله بن حسين المعروف بأبي عياض”.

ويعتقد يحمد “أنّ التونسيين ليسوا فقط مقاتلين بأعداد كبيرة في الخارج اليوم، بل إنّ كثيرا منهم قياديون في التنظيمات المتشدّدة بالعراق وسوريا وليبيا. وهم يحاولون إظهار أنهم أكثر تشددا من جنسيات أخرى رغم أنهم جاؤوا من دولة علمانية ومتحرّرة".

بدوره يرى الكاتب نورالدين المباركي أنّ هذه الجماعات ركزت جهودها على استقطاب الشبان من الطبقات الوسطى. ويضيف قائلا “بمتابعة الخطاب النضالي والدعائي سواء لداعش أو لتنظيم القاعدة، يُلاحظ أن الحاجة أصبحت لمن لهم تكوين علمي وقدرة على تقديم الإضافة، وهؤلاء يمثلون الحلقة الرئيسية في عمل هذه الجماعات وفي سياستها الدعائية”.

6