الفقر يطال الحيوانات الأليفة في لبنان

اللبنانيون يتخلون عن كلابهم وقططهم بسبب الظروف المالية القاسية.
السبت 2021/05/15
حيوانات تبحث عن فرصة للهجرة

أجبر الفقر اللبنانيين على التخلي عن الكثير من العادات التي يفضلونها بعد أن ارتفع سعر الدولار بشكل جنوني أمام الليرة اللبنانية حتى بات معظم اللبنانيين غير قادرين على تأمين حاجياتهم الضرورية من مأكل ومشرب وعلاج صحي. وأجبرت هذه الظروف البعض من اللبنانيين على تسليم حيوانهم الأليفة التي عاشوا معها لسنوات إلى جمعيات خيرية ودفعت بعضهم الآخر إلى التفريط فيها بالبيع أو حتى إهمالها في الشوارع.

بيروت - اعتنى إبراهيم الضيقة بكلبته ليكسي، وهي من نوع “الراعي البلجيكي”، منذ أن كانت جروا صغيرا، لكن الأزمة الاقتصادية في لبنان جعلته عاطلا من العمل فاضطر إلى بيعها لسداد قرض مصرفي.

ويقول الشاب البالغ 26 عاما بأسى بجانب الوجار الفارغ الذي كان يأوي ليكسي أسفل منزله في بيروت “لقد وصل الأمر إلى النقطة التي لم أعد فيها قادرا على أن أشتري لها الغذاء، وكان المصرف يضغط عليّ، فأصبحت أمام حائط مسدود”.

ويضيف “لم أبع سيارة ولا هاتفا، بل بعت روحا. بعت جزءا مني”.

ويلاحظ الناشطون في مجال حقوق الحيوانات أن تَحمُّل تكاليف الاعتناء بالحيوانات الأليفة بات معضلة يواجهها عدد متزايد من اللبنانيين الذين يحتفظون بها في بيوتهم، بفعل تراجع قدرتهم الشرائية.

فعشرات الآلاف من اللبنانيين فقدوا وظائفهم أو تراجع دخلهم إلى مبلغ زهيد بسبب أسوأ أزمة اقتصادية عرفها لبنان منذ عقود.

وفي ظل هذا الواقع، تكافح عائلات كثيرة للتمكّن من الصمود والاستمرار، وهذا ما حدا بعدد متزايد من أصحاب الحيوانات الأليفة إلى طلب المساعدة لتأمين الطعام لحيواناتهم، فيما يطلب بعضهم الآخر من آخرين إيواءها أو يبيعونها، أو حتى يتخلون عنها في أسوأ الحالات.

وفقد إبراهيم الضيقة وظيفته العام الماضي بعدما قرر متجر الملابس الذي كان يعمل فيه أن يقفل أبوابه في لبنان، مما حدّ من قدرة الشاب على إعالة والدته وشقيقه بعد وفاة والده بسبب المرض.

ومع أن إبراهيم بقي نحو عام يعتني بليكسي ويدرّبها على الجلوس والوقوف واللعب ومدّ قائمتها للمصافحة، لم يكن أمامه من خيار سوى بيعها عندما بدأ المصرف يتصل به لتسديد دينه. وتوجّه بسيارته بعد بضعة أيام للاطمئنان عليها حيث أصبحت الآن، فاعتقدت الكلبة أنه جاء ليعيدها إلى المنزل.

سعر الكيس من أطعمة الحيوانات من علامة تجارية عالمية يتخطى أحيانا الحد الأدنى للأجور في لبنان

ويروي أنها “ركضت فورا” إلى سيارته ودخلتها، وكأنها تقول له “أريد أن أذهب معك”. ويضيف “لقد حطّمت قلبي الطريقة التي نظرت بها إليّ”.

ونظرا إلى أن أكثر من نصف سكان لبنان باتوا يعانون الفقر، فقد أصبح الكثير منهم يعوّل على دعم الجمعيات الأهلية للتمكّن من تأمين متطلبات الحياة، وحتى لإطعام حيواناتهم الأليفة.

وتقول أمل رمضان (39 عاما) إنها دَرجَت على التبرّع لجمعية “بيربيتشويل أنيمال ووتش” الخيرية للحيوانات، لكنّها أصبحت اليوم تتلقى من الجمعية مجانا أكياسا من الطعام لكلبيها نيللي وفلافي من نوعَي بيتبول وبيشون.

فبعد تدهور قيمة العملة اللبنانية تراجع الراتب الشهري للمرأة التي تعمل في مجال تأجير السيارات فأصبح يساوي فعليا 120 دولارا بدلا من ألف دولار.

وتشير رمضان، وهي أرملة وأم لطفلين، إلى أنها لجأت إلى عمل إضافي لتغطية نفقاتها، وتضيف “ليس لدي دخل كافٍ لإطعام حيوانيّ الأليفين”.

وتؤكد أنها تفضّل الجوع على التخلي عن نيللي وفلافي، لكنّ حظّ بعض الحيوانات الأخرى لم يكن مماثلا مع ارتفاع أسعار اللحوم والأغذية المستوردة للكلاب وبدلات الرعاية الطبية، على ما يفيد ناشطون.

فقد أكد أشخاص كثيرون أن سعر الطعام المستورد للحيوانات الأليفة ارتفع بواقع خمسة أضعاف مقارنة مع فترة ما قبل الأزمة، حتى أن سعر الكيس من هذه الأطعمة من علامة تجارية عالمية يتخطى أحيانا الحد الأدنى للأجور في لبنان وهو 675 ألف ليرة لبنانية (450 دولارا وفق سعر الصرف الرسمي).

وفي مأوى للكلاب في جنوب لبنان، تشير المتطوعة غادة الخطيب إلى كلبة مستلقية على جانبها وتتنفس بصعوبة، عُثر عليها في مكب النفايات في المنطقة.

وتوضح الخطيب أن التخلي عن الحيوانات الأليفة آخذ في الازدياد. وتقول مصففة الشعر البالغة 32 عاما المتطوعة في مأوى “ووف أن واغز” إن “أحدا لم يعد قادرا على تأمين الطعام لكلبه بسبب ارتفاع تكلفة المعيشة”.

وتضيف المرأة المطلقة والأم لتوأم “عندما يأتون لتسليمنا كلابهم يقولون لنا ‘الأولوية لأولادنا”.

ويؤكد مؤسس الملجأ جو أوكدجيان (28 عاما) أن ثمة حاجة ماسة إلى المزيد من التبرعات.

ويشكو أن الكلاب التسعين التي يتولى الملجأ رعايتها “تبقى أحيانا ليوم أو يومين من دون طعام” لعدم قدرته على توفير الغذاء لها.

ويعكس وضع الحيوانات الأليفة في لبنان وضع أصحابها في ظل انهيار اقتصاد بلدهم.

وتروي ثريا معوّض التي تعمل على إنقاذ الكلاب في العاصمة بيروت، أن شخصين أو ثلاثة يطلبون منها كل أسبوع إيجاد مأوى لحيواناتهم.

وتشير معوّض التي أسست “أنيملز برايد أند فريدوم” إلى أن أصحاب هذه الحيوانات يلجأون إلى طلب المساعدة منها قائلين لها، إنهم بصدد الهجرة أو الانتقال إلى منزل أصغر، أو إنهم ما عادوا قادرين على الاستمرار في الاعتناء بحيواناتهم “لأسباب شخصية”.

وارتفعت منذ العام 2019 أعداد الشباب الذين غادروا لبنان للعمل في دول أخرى، وخصوصا بعد الانفجار الهائل الذي هزّ مرفأ بيروت الصيف الماضي وخلّف أكثر من مئتي قتيل ودمّر أنحاء واسعة من العاصمة. ويبذل عدد من الناشطين جهودا لتمكين العشرات من الحيوانات الأليفة من الهجرة أيضا.

وفي إحدى غرف ملجأ “أنيملز ليبانون” في بيروت، تتمدد قطتان في فراشهما. إحداهما تُدعى هيبس، دهستها سيارة في فبراير الماضي فأصيبت بالشلل تحت خصرها، بينما تُرك إدوارد داخل صندوق في الشارع في نوفمبر ويبدو أنه يعاني من حساسية.

وقريبا وبحسب ما تفيد الجمعية الخيرية، فإنه من المقرر أن يسافر هيبس وإدوارد سعيا إلى حياة جديدة في الولايات المتحدة.

17