الفقر يهدر الطفولة في تركيا والرئيس يدعو إلى زيادة الإنجاب

لا يضيع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فرصة سانحة في خطبه منذ أن كان رئيسا للوزراء دون أن يمرر دعواته إلى المجتمع التركي، بالإقبال على الزواج وإنجاب ثلاثة أطفال على الأقل، غير أن هذه الدعوة لم تجد صداها لدى الشباب والعائلات التركية ولم يستجب لها المتزوجون، وهذا ما أظهرته دراسة حديثة أكدت أن سياسة الدولة لحث المواطن على أنجاب ثلاثة أطفال، على الأقل، لم تحظ باستجابة المجتمع.
الأربعاء 2016/01/06
ثلاثة أطفال تحملونهم هكذا

إسطنبول- أرجعت نتائج دراسة حديثة قام بها مركز الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية التابع لجامعة بهتشه شهير، عدم تجاوب الأتراك مع سياسة إنجاب ثلاثة أطفال للأسرة الواحدة إلى تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للعائلات والشباب التركي، إذ تبيّن أن طفلا من كل أربعة أطفال في تركيا يعاني الفقر. وأن المجتمع التركي يضم الملايين من الأطفال الفقراء الذين يصارعون للبقاء على قيد الحياة، كما أن التنظيمات الإجرامية والعصابات تستهدف هؤلاء الأطفال.

ويعد الأطفال الفئة الأكثر تضررا من تزايد أعداد من يعانون الفقر في تركيا مع مرور الوقت نتيجة للبطالة ونقص الدخل اللذين صارا من المشاكل الشبيهة بالمرض المزمن الذي ترزح تحته فئة واسعة من الأتراك الذين ما فتئت أعدادهم تتزايد في السنوات الأخيرة، غير أن هذه المشاكل لم تلفت انتباه أردوغان وحزبه الحاكم منذ سنوات لتجعله يكف عن ترديد فكرة إنجاب ثلاثة أطفال في كل أسرة.

ويبدو أن الشباب الذي يعاني من البطالة لا يستجيب لطلب الرئيس لأنه يعلم حسابيا ومنطقيا أن إمكانياته المادية لا تمكنه من إعالة ثلاثة أطفال وأنه عاجز عن تغطية مصاريفهم ومتطلباتهم التي تشترط حدا أدنى من الدخل المادي. كما يدرك الشباب والمتزوجون منهم حديثا صعوبة الاهتمام بالأبناء ورعايتهم وتربيتهم بشكل جيد في ظل الخصاصة وغلاء المعيشة وأثرها على أداء واجباتهم كآباء وأولياء أمور، فظروف المعيشة التي تتسم بالتوتر والضغط النفسي لا يمكن أن تتيح للفرد أداء دوره العائلي على أكمل وجه وتنشئة جيل تتوفر له الرعاية النفسية والإحاطة الأسرية اللازمتين.

هذه الأسباب تجعل المواطن التركي يخاف من إنجاب ثلاثة أبناء خاصة وهو على وعي تام بأن الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها بلاده تزداد سوءا وبالتالي فهي لا تخول له الاضطلاع بمسؤولياته المادية والمعنوية وتشعره بالعجز عن أداء واجبه مع أطفاله لأنه وإن لم يكن من الأثرياء، فهو مهدد بأن يصبح من الطبقة الفقيرة التي تعجز العائلات المنتمية لها على رعاية أبنائها وحمايتهم من الخصاصة التي تدفعهم نحو مخاطر اجتماعية مثل الانحراف والجريمة والإدمان وغيرها.

ويقول الأستاذ الدكتور عثمان أبالي، المتخصص في طب النفس للأطفال والمراهقين، إن “العائلات الفقيرة التي تعاني من مشاكل اقتصادية لا تستطيع الاهتمام بأطفالها. ولهذا هم لا يستطيعون معالجة المشاكل النفسية والبدنية التي يمر بها أطفالهم في الوقت المناسب. فالأمراض النفسية والبدنية قد تظل ملازمة للأطفال الفقراء”.

الأطفال الفئة الأكثر تضررا من تزايد أعداد من يعانون الفقر في تركيا مع مرور الوقت نتيجة البطالة ونقص في الدخل

أما الأستاذة نيلوفر نارلي، رئيسة قسم علم الاجتماع في جامعة إسطنبول، فتقول “أحد أهم أسباب معاناة الأطفال هو اضطرار العائلة الفقيرة إلى توجيه أبنائها للعمل بدلا من الدراسة بسبب المشاكل الاقتصادية التي يمرون بها. فالطفل المنقطع عن الحياة التعليمية لن يستطيع الحصول على عمل مناسب في سوق العمل. وعندما يتزوج شخص يعاني من الفقر فإنه سيظل يصارع الفقر. وبذلك تستمر هذه السلسلة بطريقة أو بأخرى في المجتمع الذي سيعجز عن التخلص من هذه الحلقة”.

وأضافت نيلوفر نارلي، أنه وفقا للدراسة الأخيرة فإن خمسة ملايين طفل تصل أعمارهم إلى حدود 15 عاما يعانون من فقر مادي، كما أوضحت أن 40.3 بالمئة من الأطفال لا يحصلون على حاجتهم للتدفئة بالقدر الكافي، وأن 40.8 بالمئة منهم لا يستطيعون شراء ملابس جديدة بدلا من تلك القديمة. وأشارت نارلي إلى أن “الأطفال الفقراء هم دائما هدف التنظيمات الإجرامية، حيث تقوم بإعدادهم لإجبارهم على ارتكاب الجرائم”.

وضع الطفولة السيئ في تركيا اليوم والذي أقرت بترديه دراسات وإحصاءات صادرة عن مؤسسات ومراكز بحث محلية تركية، لم يحل دون مواصلة أردوغان التدخل في الحياة الشخصية للأفراد والأسر في تركيا، حيث لم تتوقف حكومة العدالة والتنمية عن فرض سياسة إنجاب ثلاثة أطفال من خلال إقرار مجموعة من الحوافز تبدو ظاهريا وشكليا مشجعة على إنجاب الأبناء وتشبيب المجتمع وتقدم صورة مفادها أن السياسات التركية تراهن على العنصر البشري وتهتم برفاهيته، إلا أن هذه الحوافز والتشجيعات على الزيادة في معدلات الإنجاب تشكل غطاء للنوايا الحقيقية التي يبطنها أردوغان وحزبه الإسلامي الذي يرمي بشكل أو بآخر إلى السيطرة على جميع تفاصيل الحياة والتوجهات الاجتماعية لتركيا.

دعوة أردوغان الأتراك إلى زيادة الإنجاب ليست مجرد تدخل اعتباطي في الحياة والخيارات الشخصية والعائلية بل إنه بلغ درجة متقدمة من انتقاد سياسات تحديد النسل ووسائل منع الحمل، حيث وصف المشجعين عليها بالخيانة لتركيا ولمصالحها وهو يراهن بهذه السياسة على أهداف اقتصادية تنموية تقوم على جعل المرأة آلة للإنجاب والشباب آلة للإنتاج دون مراعاة لتداعيات إنجاب ثلاثة أبناء على الحياة الأسرية والاجتماعية وما يخلفه ذلك من تراجع لمستوى العيش والفقر الذي يمثل بيئة حاضنة لنشأة وانتشار الآفات والظواهر الاجتماعية الخطيرة.

12