الفقه النسوي يتصدى للممارسات الهادفة لإخضاع المرأة

جرأة نسائية في فتح تحقيقات عميقة في كل الـممارسات التعسفية التي تقيمها مختلف السلطات الفقهية بغرض تكريس اللامساواة والنظرة غير العادلة للمرأة.
الأحد 2019/10/13
البحث العلمي عن مواقف أكثر تكريما للهوية الأنثوية

لا تعد ظاهرة النسوية الإسلامية جديدة فهناك نضال نسوي على مدار عقود يرتكن لظهير فكري إسلامي قادته أسماء كبيرة ومهمة، مثل نظيرة زين الدين في لبنان وعائشة التيمورية ونبوية موسى وهدى شعراوي في مصر وغيرهن.

الجديد الآن، التحول من النشاط السياسي والميداني أو التخفيف منه لصالح الإنتاج الفكري والفقهي الذي يمكن هذه الحركة من كسب مشروعية مضاعفة عبر تحييد البعد الديني وعدم منح الفقهاء الأصوليين ما ظلوا يحظون به من حرية ومقدرة على شيطنة وتأثيم تيار التحرر النسوي.

ربما أسماء فقيهات نسويات مثل نائلة السليني وآمال قرامي وفاطمة المرنيسي وعزيزة الهبري وليلى أحمد وأسما برلس وأمينة ودود وغيرهن لسن مشهورات لدى العامة، في وقت يقدن ثورة فكرية قد ينقصها التخديم الإعلامي والترويج لها عبر مؤتمرات تلقي الضوء على إنتاجهن، وعندما يحدث لن يقل أثر عطائهن في المجال الذي يجتهدن فيه عما أحدثه نضال المحررات الأوائل في الفضاء العام وفي ضمير المرأة العربية والمسلمة.

حرص النساء المسلمات على التصدي للأصولية المتشددة خصوصا مع ظهور الممارسات الأسوأ في حق المرأة بصعود نماذج طالبان والقاعدة وداعش، ولد رغبة داخل أوساط النخب النسائية في تقديم قراءات مغايرة لإشكاليات الفكر المنغلق الأحادي عبر فقه نسوي تجديدي يفضح الطرح التقليدي وممارساته التسلطية على ضمائر الناس وعلى المرأة تحديدًا.

علاوة على أن الإهانة والإجحاف اللذين تعرضت لهما المرأة المسلمة والعربية باسم الفقه الأصولي دفعا للبحث العلمي والفكري عن مواقف أخرى داخل النص الديني أكثر تكريمًا وحميمية وقرابة إلى الهوية الأنثوية.

جرأة الحركات المتطرفة واقتحام تيار الإسلام السياسي لعمق المجتمعات بغرض اكتساح المجال العام ونجاحه في استقطاب النساء غير العالمات، قابلتها جرأة نسائية في فتح تحقيقات عميقة في كل الـممارسات التعسفية التي تقيمها مختلف السلطات الفقهية بغرض تكريس اللامساواة والنظرة غير العادلة للمرأة، عبر التنقيح في المصادر الشرعية عن المفهوم الإسلامي الحقيقي للأنثى كشخص قانوني وكإنسان كامل وعن مكانتها ودورها وطبيعة علاقتها بالرجل.

الفقه النسوي مهموم بتحقيق المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة
الفقه النسوي مهموم بتحقيق المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة

كما أن رفض الأساس النظري الذي عولجت في إطاره قضية تحرير المرأة، والرغبة في التأكيد على أن المسلمة قادرة على أن تتحرر من دون أن تتماهى مع النموذج الغربي للمرأة، دفع لحضور إسلامي نسوي متناغم وابتكار فقه نسوي يقاوم أشكال السيطرة والقمع الأبوي دون أن تنأى المرأة بنفسها عن الدين أو تخرج عن إطاره العام ومبادئه.

قضية تحقيق المساواة هي الأهم وتشغل حيزا كبيرا ضمن إنتاج الفقيهات النسويات الفكري، وهي تعني في خطابهن التساوي في احترام كل واحد لعواطف الطرف الآخر، ورفض تشريعات الفقهاء التي تتنافى مع جوهر المساواة التي أقرها القرآن للبشر جميعًا وللجنسين على حد سواء.

تحدى الفقه النسوي من يزعمون أن أفضلية الرجل هي إملاء إلهي، ورأت واضعات أسس هذا الفقه أن جوهر الإسلام متسق مع المساواة بين الجنسين وأن ما يظهر الإسلام على سبيل الوهم كمعاد لحقوق المرأة هيمنة تفسيرات متشددة لا تعدو أن تكون أيديولوجيا ذكورية صاغها فقهاء وألبسوها ثيابًا دينية، بما شكل تجنيًا على القرآن الذي أنصف المرأة كإنسان.

وكي يُعاد فهم وتفسير القرآن بما يتسق مع غاياته وبحثا عن المعاني التي تتماشى مع الأهداف النسوية المشروعة، قدمت الفقيهات النسويات نقدا للمقولات والاجتهادات المتعلقة بالمرأة، كاشفات ما انطوت عليه من انحيازات ذات أصول تاريخية وثقافية.

تصدى الفقه النسوي لطائفة واسعة من الممارسات والقوانين الظالمة التي لم تكتف بالحرص على إخضاع المرأة بل وصمتها بأنها مواطن من الدرجة الثانية، متجاوزا الأحكام التي كانت متسقة مع منظومات اجتماعية مؤسسة على مبدأ الذكورة ومبدأ السيادة للرجل، والتي أسهم في تشكيلها متخيل جماعي غذاه الفقهاء في تشريعاتهم منتجين منظومة تمييزية تقوم على فهم مغلوط لمبدأ القوامة من شأنه حرمان المرأة من كل سلطة ومن السير في طريق إكمال مكتسباتها وحقوقها.

اعتبرت الفقيهات النسويات القواعد المتوارثة ليست في حقيقتها ذات طبيعة دينية وإنما هي قواعد من وضع البشر في سياق تاريخي معين ويمكن للبشر تجاوزها أو تطويرها، ورأين أن الأحكام الفقهية المتصلة بالمرأة والمشرعة لوضعيتها الدونية تتعارض مع قيمة المساواة بين الجنسين.

الفقه النسوي مهموم بتحقيق المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة معتبرا أن الإسلام لا يتعارض مع مبدأ المساواة الاجتماعية بينهما عند توفر أسبابها بتطور الزمن، وليس هناك ما يدل على أن ما وصل إليه التدرج في حياة النبي في بعض القضايا ذات الصلة كتعدد الزوجات والميراث وغيرها هو نهاية المأمول.

إذا كان القرآن وجه المرأة لاكتساب حقوق لم تكن موجودة قبل الإسلام، فمن واجب الفقيه المعاصر المضي مجددا لتحسين أوضاعها.

20