الفقه صناعة ذكورية ولا مبرر شرعيا لاحتكاره عند الرجال

الأربعاء 2016/11/16
حضور المرأة الداعية والواعية مستمر رغم السلطة الذكورية

دبي – تعتبر آمال قرامي، في بحثها الذي حمل عنوان “اختراق النساء أسوار المعرفة الدينية” أن غاية النساء العالمات لم تكن الدخول مع الرجال في منافسة، وإنما المساهمة في تحديث الفكر الديني، إلا أن المتتبع للبرامج الدينية التي يٌدعى لها الرجال والنساء للمشاركة في إرشاد السائلين، أو ما يكتب من مقالات على أعمدة الصحف، أو المواقع الإلكترونية، يدرك أن عددا من الداعيات تعرضن للهجوم والعنف اللفظي، وهو أمر مفهوم حسب أسماء برلاس. فـ“الذين يحددون المعرفة الدينية في أغلبية المجتمعات المسلمة، هم بالدرجة الأولى، رجال، وغالبيتهم من المحافظين، لذلك فإنهم ينزعجون من المواضيع التي أطرحها”.

وتضيف الباحثة في الدراسة التي تضمنها كتاب “النسوية الإسلامية”، الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث في دبي، أن تمكين المرأة دينيا، وظهورها في وسائل الإعلام، لم يكونا محل قبول وإجماع شرائح المجتمع كافة، بل إن بعض رجال الدين المحافظين أدركوا أن التحولات الطارئة على مكانة المرأة تشكل تهديدا لهم، وتؤثر في حجم هيمنتهم على الجموع. فبعد أن ظل رجال الدين على امتداد قرون، يحتكرون الكلام عن “الحقيقة” الإسلامية، والنطق نيابة عن الله، جاءت النساء ليُحدثن خلخلة في البناء الثنائي القائم على نموذج السيادة/التبعية، والتفوق/الدونية.

وبعد أن كانت المرأة متلقية للخطاب التكليفي ومستنجدة بالعالِم أو الزوج لفهم ما أشكل عليها من أمور دينها أضحت تتصدر المحافل العلمية و“تزاحم” الرجال، بل إنها لا تستحي من مواجهتهم ومخالفتهم الرأي وبيان تهافت حججهم، وهي التي كانت مأمورة بالطاعة، منكسرة بسبب القيود والأعراف التي تكبلها.

المرأة مهما بلغت أعلى درجات المعرفة لا يمكن أن تُمثل السلطة المعرفية حتى في (نظر بنات جنسها) اللواتي يؤثرن التوجه بالسؤال إلى الشيخ

لئن اختلف وضع الداعيات الإسلاميات عن صاحبات الاختصاصات العلمية المختلفة اللواتي أدلين بدلوهن في القضايا الدينية إلا أنهن التقين جميعا في تحمل النتائج المترتبة على اقتحامهن مجال المعرفة الدينية. فالمرأة العالمة محجبة كانت أو سافرة، متخرجة من دار الأزهر أو كلية آداب، متخصصة في الفقه أو في العلوم السياسية تتعرض في الغالب لعملية تبخيس وطمس وتهميش لجهدها واستهانة بجهودها في سبيل إصلاح المجتمع.

ويتجلى الاستخفاف الجماعي بإنتاج النساء في تعمد عدد من العلماء والمفكرين عدم الاستشهاد بآراء المجتهدات، وتغاضي أغلبهم عن الحديث عنهن وكأن إصلاح الفكر الديني عمل موكول إلى الرجال وحدهم ولا وجود لنساء شاركن في نقد الثوابت وفي بيان تهافت بنيان شيده العلماء القدامى خدمة لمصالح المجتمع الذكوري.

أما السمة الغالبة على الخطاب المعترض على اضطلاع النساء بأدوار جديدة في الإعلام فهي كثرة انتقاد المظهر الخارجي للنساء كالملبس؛ والسلوك وطريقة الكلام. فملكة زرار، من منظور منتقديها، “لها طريقة فجة في الحديث، وهي تعتمد على تحريك حاجبيها ويديها (كذا) وجسمها كله، ولها تعبيرات بوجهها، وألفاظها، وطريقة في الحوار لا تتناسب إطلاقا مع وصفها بالداعية الإسلامية”.

وتبدو سعاد صالح في نظر البعض، متبرجة وقاسية بل مسترجلة. وتوحي هذه الانتقادات بالصورة النمطية الشائعة في العديد من الثقافات تلك التي تختزل كينونة المرأة في حدود جسدها. تقول آمنة نصير إن “مشايخ الأزهر (الرجال) لا يريدون أن تزاحمهم المرأة؛ لأنهم ينظرون إليها على أساس أنها (أم العيال) في مجال الدعوة ولا يشجعون ظهورها على الإطلاق”.

يمكن تفهم موقف الجمهور من العالمات، فالمرأة مهما بلغت أعلى درجات المعرفة لا يمكن أن تُمثل السلطة المعرفية حتى في “نظر بنات جنسها” اللواتي يؤثرن التوجه بالسؤال إلى الشيخ؛ لأنه “العالم بامتياز”. فحضوره في المنابر والمجالس يعكس صوت السلطة المعرفية، فهو أوسع علما وله ثقة أكبر في نفسه، كما أنه أكثر قدرة على السيطرة على موضوع الكلام. أما طريقة معالجة الشيخ للقضايا فإنها تتسم بالعقلانية، وتكون بلاغته “طبيعية” غير متكلفة، كما أن اللغة التي توشي خطابه تكون في الغالب منمقة. ولهذه الأسباب يؤثر العالم في المشاهدين والسامعين فيحظى بإعجابهم وتقديرهم بل افتتانهم.

الداعية تنخرط، من منظور الجمهور، في القضايا المطروحة عليها بعمق وتتعامل معها عاطفيا أو بانفعال

وفي مقابل ذلك تنخرط الداعية، من منظور الجمهور، في القضايا المطروحة عليها بعمق وتتعامل معها عاطفيا أو بانفعال. وهي مهما حافظت على الرصانة وحاولت عرض ثقافتها الدينية إلا أنها كثيرا ما تفتقر إلى “استراتيجيات السلطة”، والقدرة على التجريد والتحليل. وهكذا تبقى العالمة “ناقصة عقل ودين”. يقول أحدهم متحدثا عن آمنة نصير “هي الست آمنة بتفهم أكتر من فلان وعلان”.

وبغض النظر عن هذه التحديات، فإن العالمات استطعن إحداث حراك في المجتمع وفي مسار الفكر الإسلامي بالرغم من التعتيم على أعمالهن وجهودهن. فقد ساهمت كتابات رجاء ناجي على سبيل المثال، في تشكيل مدونة الأسرة في المغرب التي صدرت في أوائل عام 2004 والتي أثارت جدلا كبيراً لتضمنها تقييد تعدد الزوجات لضمان شرط العدالة، ولمنحها المرأة المتضررة فرصة طلب الطلاق.

13