الفكاهة في أدبنا

الخميس 2015/09/17

يكاد أدبنا الحديث يخلو من روح الفكاهة والدعابة، فالقصص والروايات في عمومها مطبوعة بجدية مفرطة، تصور واقعا سوداويا يطفح بفيض من المشاكل التي تعاني منها مجتمعاتنا، ولا تترك فسحة لابتسام. ولكن الواقع، برغم الفوضى العارمة التي تجتاح أقطارنا منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، ليس سوادا كله، فالناس لا تزال تقيم الأعراس والأفراح، وترقص وتغني، وتمزح وتمرح وتضحك، فضلا عن حوادث البيت والإدارة والطريق العام، المشحونة بمفارقات تنتزع الضحكة غصبا. وحسبنا أن نشاهد بعض ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي لندرك مدى ما تزخر به الحياة اليومية من مواقف هزلية قلّ أن نجد صداها في أدبنا.

والسبب ترفُّع الأدباء عما يعتبرونه من مبتذل سلوك العامة، وإيثارهم التوقف عند المشكلات المجتمعية الهامة والقضايا الفكرية الكبرى، لأن الفن عندهم جادّ بالضرورة، تراجيدي أو لا يكون. فما يصورونه في أدبهم لا يعكس الواقع في شتى تجلياته بقدر ما يعكس انتقاء لملامح منه، وفق مقاربة مخصوصة، نابعة من نفس ترى الهزل صنوا للسخف والابتذال والجهل.

ولذلك تراهم يستمسكون بجدّ صارم لا يفارقونه، حتى في حياتهم اليومية، لا تفترّ أفواههم عن بسمة ولو جاءهم موليير بشحمه ولحمه. والحال أن ترويح النفس ضروري ينصح به علماء النفس ويلحون على الفكاهة لما لها من قيمة علاجية لكل نفس اعتادت أن تكظم مشاغلها وهمومها، فتساعدها في أن تتجاوز أزمة أو تفرّج عن ضيق. كما يوصي به الأقدمون، وممّا يروى في هذا الصدد أن رجلا من النسّاك وُصِف عند عُبيْدِ الله بن عائشة بكونه “جِدًّا كلّه”، فقال ابن عائشة “لقد ضيّقَ على نفسِهِ المرعى، وقصّرَ طولَ النّهَى، ولو فكّكَها بالاِنتقالِ من حالٍ إلى حال لَتنفّس عنه ضيق العُقدة، وراجع الجدّ بنشاط وحِدّة”. وكان القدامى يقولون إنّ نفوس العلماء تسرَح في مُباح اللهو الذي يُكسِبُها نشاطا للجدّ، فكأنها مسترسلة في الجدّ لم تنقطع عنه. يقول أبو فراس في هذا المعنى “أرَوّحُ القلبَ ببعضِ الْهَــزْلِ | تَجاهُـلاً مِنّي بغـيرِ جَهْــلِ / أمْـزَحُ فيهِ مَـزْحَ أهلِ الفضْلِ | والْمَزْحُ أحيانًا جَلاءُ العقلِ”.

ثم إن الفكاهة نقدٌ مُبَطَّن ينظر إلى المسائل في غير مواجهة، إمّا حياءً، وإمّا خوفًا، ليقول الكلمةَ الفصل، أو الرأي المغلَّف بشكّ يجعلنا نتردّد في حكمنا على تلك المسائل، وربّما يدفعنا إلى تغيير رأينا بشأنها. وهذا كله يمكن أن ينهل منه القاص أو الروائي لكي يخلق عالَما، متخيلا لا محالة، ولكنه ينبض بالصدق.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15