الفكرة الفنية من الحداثة إلى ما بعد الحداثة

شهدت الفنون على اختلافها تطورا كبيرا منفتحة على مدارات جديدة، خاصة في مواكبتها للثورة التكنولوجية العالمية، فمثلا تأثر الأدب وحتى الفن التشكيلي بتقنيات الصورة والفيديو التي اتاحت مجالات اشتغال أخرى أمام الفنانين الذين بات أغلبهم يستغل كل منتجات التكنولوجيا ليقدم فنه ما بعد الحداثي.
الجمعة 2018/01/26
الفيديو يعبر عن هواجس الإنسان المعاصر وتطلعاته

يسلط الكاتب السعودي يوسف الحربي الضوء على “فن الفيديو”، الذي تطور بتطور التقنيات وانتشر بانتشار الصورة، من خلال رصده للثورة المعرفية في مجال المعلومات والتكنولوجيا والاتصالات التي ساعدت في نقل الفكرة الفنية من الحداثة إلى “ما بعد الحداثة”، وهو المصطلح الذي يشير إليه الحربي في الكتاب باعتباره المصطلح المعتمد للدلالة على المتغيرات الراهنة التي انتقلت بالفن إلى التكنولوجيا الحديثة، وطوّرت مفهومه، وطرق عرضه وفق تناول فني حركي وحيوي وواقعي قائم على فن الفيديو والصورة المتحركة.

الفيديو فن

يرى الحربي أن “فن الفيديو” هو من أحدث الفنون البصريّة، إذ يقوم على الصورة الضوئيّة، والتفاعلات الحركية داخلها، ويعبّر عن هواجس الإنسان المعاصر وتطلعاته بلغة تتكئ على التقنيات الحديثة للسينما، والتلفاز، والكمبيوتر، ومراحل تكوين الصورة الضوئيّة الثابتة والمتحركة، كالمونتاج، والإخراج، وكل ما له علاقة بصناعة الفيديو، فهو يمزج الفنون التعبيريّة الكلاسيكية في الفن التشكيلي مع الصوت والموسيقى والأداء.

يقول الحربي في مقدمة الكتاب، الصادر مؤخراً عن جمعية الثقافة والفنون بالدمام، “انتشر هذا الفن بشكل أكثر نضجًا ووعيًا وتنوع العرض في منطقتنا العربية، وأصبح وسيلة تعبير فنية تعكس الواقع والحرفية الجمالية في طرحه بصريًا، ومعالجته نفسيًا، واجتماعيًا، وواقعيًا.

فن الفيديو اشتغال فني واسع وهو من أحدث الفنون البصرية، إذ يقوم على الصورة الضوئية، والتفاعلات الحركية داخلها

من خلال هذه الصفحات أحاول التعمق في مسار هذا الفن تاريخيًا، بداية من نشأته الأولى وتطور انتشاره في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، وصولاً إلى انتشاره عربيًا وخصوصًا منطقة الخليج العربي، مع التركيز على تقديم التجارب العربية والخليجية الرائدة والمؤثرة، وتقديم قراءة فنية لها تعكس مدى تأثرها بالتجارب العالمية وبواقعها وتأثيرها في المستوى التعبيري الفني”.

بحسب الحربي فإن المواضيع الفنية تعبّر إجمالاً عن الواقع الراهن وتأثيراته، ولكنه خصّ فن الفيديو بهذا البحث نظراً إلى اهتمامه بالعمل والكتابة فيه، وقد دفعه هذا البحث إلى زيارة المعارض الفنية الخاصة به في مختلف الدول العربية والخليجية، حيث لاحظ الاهتمام والإعجاب والتفاعل لدى الجماهير الواسعة بهذا الفن؛ لكونه يخاطب المتلقي بطريقة تثير مداركه، وتحفز حواسه، وفضوله.

ويخصّ البحث التجارب الخليجية لفن الفيديو بالمزيد من القراءة والتحليل، ويلقي الضوء على ميزات وخصائص هذه التجارب، وثغراتها ونقائصها، وهو ما دفع الحربي إلى طرح عدة تساؤلات في الكتاب كان أهمها: هل يقدم فن الفيديو الخليجي تفاعلاتنا فنياً؟ هل يلامس حياتنا وصميم واقعنا؟ وهل تُعالج تلك النقاط التوازن بين الفن، والمضمون، والواقع؟

يحتوي البحث على أربعة فصول رئيسة تتناول أولاً تاريخ فن الفيديو، ونشأته، وانتشاره، ورواده الأوائل الذين قدموه للعالم. ليتطرق ثانياً إلى فن الفيديو والفن التشكيلي، وتسليط الضوء على الروابط الجامعة بينهما، وظهور مصطلح “فن ما بعد الحداثة”.

وثالثاً ظهور فن الفيديو في المنطقة العربية الذي بدأ كتأثر بالتجربة الغربية ثم تطور ونضج ليؤثر منفرداً بدوره، ويقدم أسلوبًا تعبيريًا فنيًا قائم الذات، وأهم الأسماء التي انتشرت عربياً وعالمياً في هذا التخصص الفني، ودور المعارض والمتاحف من خلال تغير النظرة الكلاسيكية للعرض الفني وحداثة التقنيات الفنية التي تستقطب الفنانين -بينالي الشارقة نموذجاً- مع طرح بعض الإشكاليات والصعوبات التي قد تواجه العارضين.

ورابعاً يتناول الكتاب ظاهرة فن الفيديو بمنطقة الخليج العربي مشتملاً على قراءة فنية لتجارب أهم الفنانين بالمنطقة. ويخلص الكتاب إلى أن فن الفيديو يتصف بطبعه بالشمولية؛ نظراً إلى تنوع تفاصيله ومرونة تقبله لمختلف الوسائط الفنية، والضمنية، والتركيبية، إضافة إلى تراكم الأسئلة التي تطرح عن جوانبه التقنية، ومحتواه الذي يضعه في مقارنات مع الفنون الأخرى سواء التشكيلية الكلاسيكية أو الرقمية، أو مع الأفلام، والأشرطة الإخبارية، والتوثيقية، لذلك سعى الفنانون -بحسب الحربي- إلى ابتكار بصمة جمالية في فن الفيديو تؤسس لمفهوم الفن البصري الحديث والتي يتم من خلالها إثبات القيم الفنية وتدعيمها.

الكتاب لم يقتصر على السرد التاريخي فحسب، وإنما اعتمد الأسلوب العلمي عن فن الفيديو وتقنياته وأساليبه في التعبير وعلاقته بالتكنولوجيا

بحث متواصل

رغم الجهد الكبير والتتبع الواضح لمعظم المنجز الفني في خارطة المنطقة لكن الحربي يعتبر بحثه غير كافٍ لاكتمال الحديث عن فن الفيديو. يقول في ختام الكتاب “من الطبيعي أن فصول الكتاب غير كافية لاكتمال الحديث عن فن الفيديو وتأثيره، وتطوره، وتقنياته، فهذا المجال الذي اكتسح الساحة الفنية التشكيلية أصبح له منطقه، وقواعده، وقيمه، ومساره، وأيضا آفاقه الواسعة في البحث، وفي هذه الصفحات حاولت تقديم استعراض متنوع لهذا الفن، لفتح الطريقة أمام المزيد من الباحثين والباحثات، ليتناولوه باهتمامهم وأبحاثهم لما له من دور عام في تشكيل ذاكرتنا الحسّية، وأفكارنا المتجددة”.

وفي السياق نفسه ترى الكاتبة الكويتية انتصار سالم الصباح أن الكتاب لم يقتصر على السرد التاريخي فحسب، وإنما اعتمد الأسلوب العلمي عن فن الفيديو وتقنياته وأساليبه في التعبير وعلاقته بالتكنولوجيا، تقول “الكتاب مزج بين التاريخ والعلم على مستوى العالم ككل والمنطقة العربية بوجه الخصوص، فالفيديو والاهتمام البصري في الآونة الأخيرة متجسدًا في مجال السينما والتصوير، قدّم لنا مدى قدرة وكفاءة شبابنا الخليجي على المنافسة في المهرجانات الدولية من خلال تقديم أفلام روائية طويلة أو قصيرة ذات جودة عالية حصدوا بسببها العديد من الجوائز الدولية”.

وتضيف “لم يكتف الكاتب بهذا العرض فقط، إنما طرح في هذا الكتاب الإشكاليات التي تعنيه كفنان تشكيلي، موضحا الاهتمام الفني من قبل الفنانين التشكيليين ودخولهم المجال البصري عبر الصورة والفيديو ومتابعة الحركة الفنية الحديثة العالمية مسلطا الضوء على النقائص والمعوقات بالإضافة إلى تطرقه للحركة النقدية وعرض الإشكاليات التي تحاول أن تقصي هذا الفن من الحركة الفنية التشكيلية، وبالتالي أراد الكاتب في هذا البحث النهوض بفكرة هذا الفن الذي اقتحم الساحة التشكيلية وأصبح حضوره ضرورة تعبيرية تواكب الحداثة والتكنولوجيا، وتعبر عن طموحات جيل، وأحد منافذ التعبير والتواصل مع العالم”.

14