الفكرة والمذهب

الأربعاء 2014/08/27

عاشت الإنسانية بالأفكار الأصيلة في العقيدة والسياسة والأدب والفن، ففي أصل الديانات فكرة أرقت الأنبياء والرسل، ثم المصلحين الدينيين الكبار، “وحدانية الله”، و”فناء الكون”، و”رفعة الفضيلة”، و”قداسة الحياة الإنسانية”.. هي قيم مؤسسة لمنظومة اعتقاد ديني، مثلما أن “صراع الطبقات” و”تقدمية التاريخ” و”ارتهان الذهن للواقع”، قواعد فكر سياسي.

تعيش تلك الأفكار حين تحافظ على جوهرها الوجودي، وماهيتها الأصلية، بما هي سعي إلى تمثل أسئلة العيش الممتد والكينونة الممتحة، وبما هي جواب عن استفهامات الزمن والجغرافيا.

وتدوي تلك الأفكار وتتلاشى حين تفقد كنهها الحضاري، وتغرق في التفاصيل، حين تلفظ النسغ وتلتصق باللحاء، وحين تكف عن الارتباط بمحن الإنسان وأحلامه، لتتصل بلحظة من التاريخ معزولة، وبشريحة من الناس محدودين. عندها تتوقف عن الإحالة على الماهية الوجودية الشاملة وتتحول إلى مذهب جزئي.

والشكل هنا ذو رمزية دالة، لأن الماركسية حين تحولت إلى شكل مذهبي متبنى لذاته، أضحت السمات المظهرية أكثر بروزا من المضمون الإنساني والأخلاقي للفكر الماركسي، وهكذا صارت لفظة “رفيق” أهم من معنى “الرفاقية”، والتملك الجماعي لوسائل الإنتاج أهم من روح المساواة واقتسام الثروات والخيرات والمنافع.

مثلما أن اللحية وكحل العين والسواك، وتحجيب النساء باتت أهم من مقاصد الشريعة الإسلامية في استبدال مجتمع القبيلة بمجتمع الدولة القائم على قيم “الحق” و”العدل” و”المحبة”.

بطبيعة الحال رائد استعادة هذه النزعة الشكلية في مجتمعنا العربي المعاصر، هو بدعة “الجماعة” التي تلغي “المجتمع”، والتي لها “مرشد” تدين له بالسمع والطاعة، وليس باحترام التعاقد القائم على مبدإ الاختيار والانتخاب، ففي الاختيار والانتخاب تسليم ببشرية الحكم، بينما في مبدإ “الحاكمية” القهرية، تقديس لماهية السياسة، وخضوع أعمى لتسلط “الأمير”، فحسابه لن يكون عبر صناديق الاقتراع، وإنما سيترك ليوم القيامة.

في انتفاضات ما سمي بالربيع العربي كانت “الفكرة” هي الأصل، “إسقاط الفساد والاستبداد”، لكن الورثة من الجماعة ومشتقاتها، حولوها إلى “شكل” و”مذهب”، تحضرني هنا تلك الفقرة المضيئة من الفصل الختامي في رواية السكرية لنجيب محفوظ التي تختصر كل شيء، حيث يقول السارد على لسان “رياض”: “إني أومن بالحياة وبالناس، وأرى نفسي ملزما باتباع مثلهم العليا ما دمت أعتقد أنها الحق، إذ النكوص عن ذلك جبن وهروب، كما أرى نفسي ملزما بالثورة على مثلهم ما اعتقدت أنها باطل إذ النكوص عن ذلك خيانة، وهذا هو معنى الثورة الأبدية”.


كاتب من المغرب

15