الفكر الأصولي ينخر المدارس الجزائرية بتواطؤ مع أطراف حكومية

المشرفون على المؤسسة التعليمية في الجزائر يتحملون مسؤولية تنامي الفكر الأصولي، وذلك عبر تمكين التعليم الديني من التسلل داخل المدارس ومن ثم تفريخ كل مظاهر التطرف والكراهية، ويعود ذلك إلى الحسابات السياسية الضيقة وما رافقها من قرارات ارتجالية ومفاسد فتحت الأبواب نحو انتشار ثقافة الجهل والتخلف وتمجيد الماضي دون النظر في الحاضر والمستقبل.
الاثنين 2017/10/30
أحفاد رجالات التنوير أمام مستقبل صعب

كان مولود قاسم نايت بلقاسم وزير التعليم الأصلي والشؤون الدينية سابقا هو صاحب فكرة إنشاء تعليم مواز للتعليم العام والمسمى “تعليما أصليا”.

ولا نجانب الصواب إذا قلنا إن هذا الوزير قد ساهم بشكل كبير في توطين الأصولية الإسلامية في الجزائر من خلال مناصبه الرسمية المتعددة؛ إذ هو الذي أهدى الإخوان المسلمين منبرا سنويا رسميا في الجزائر دام 24 سنة من سنة 1968 إلى 1990 تحت مسمى ملتقى الفكر الإسلامي، وكان يلتقي فيه الإخوان لمدة أسبوع كامل ينشرون فيه فكرهم المسموم بين الطلبة وتلاميذ المدارس الثانوية، وقد نظم هذا التجمع الإخواني في 12 ولاية جزائرية وشارك فيه عتاة الفكر الإسلامي الأصولي كمحمد متولي شعراوي، محمد الغزالي، يوسف القرضاوي وغيرهم.

لقد أقنع مولود قاسم نايت بلقاسم الرئيس هواري بومدين سنة 1970 باستحداث تعليم ديني يمكنه إعطاء فرصة ثانية لعدد كبير جدا من التلاميذ الذين فشلوا في متابعة دراستهم في التعليم العام. ومع الوقت كبر هذا التعليم وبدأ يطبق برامج وزارة التربية واستحدثت شهادتان: باكالوريا التعليم الأصلي وشهادة الأهلية بالنسبة للمرحلة الإعدادية.

ومع تعاظم تأثير التيارات الإسلامية الصاعدة، حاولت السلطة إعادة تنظيم التعليم الأصلي عن طريق أمر مؤرخ في 8 أكتوبر 1977 وتم وضعه تحت وصاية وزارة التربية الوطنية بعد أن كان تحت وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية، ولكن بعد فوات الأوان، ولم ينفع مرسوم 17 مايو 1978 الذي جاء ليلغي ما كان يسمى شهادة “الأهلية للتعليم الأصلي” وليستحدث شهادة موحدة تحت مسمى “شهادة التعليم المتوسط” وإدماج باكالوريا التعليم الأصلي في شهادة الباكالوريا الخاصة بالتعليم الثانوي العام، بل كانت نتائجه عكسية إذ بدل أن يندمج هؤلاء التلاميذ في التعليم العام بدأ هذا الأخير يتجه نحو التأسلم شيئا فشيئا بسبب الأيديولوجيا التي نقلوها وأساتذتهم إلى التعليم العام.

وتزامنا مع توجهات سياسية ليبرالية تم تشجيع الفكر الإسلامي بهدف إضعاف دور اليسار وقد تم تقديم المدرسة الجزائرية إلى الأصولية على طبق من ذهب ابتداء من بداية الثمانينات من القرن الماضي.

هدف الإسلاميين هو حرمان التلاميذ من الحوار الحر والجدل والاختلاف الجذري وذلك ليسهل دمجهم في إجماع مقيت

وكان امتصاص هذه المعاهد في سنوات السبعين هو تتمة لحركة بدأت منذ 1962، كانت تبتغي إدماج الحاصلين على شهادات من المعاهد الدينية في مؤسسات الدولة التي ترددت كثيرا في الاعتراف بشهاداتهم. وقد تم توظيف الكثير منهم في التربية الوطنية والإعلام والثقافة وبشكل أقل في الدوائر العدلية والشؤون الخارجية. وقد ساهم إدماج هؤلاء في الوظيفة العمومية في تديين القطاعات التي أحكموا قبضتهم عليها وعلى الخصوص قطاع التربية والتعليم.

وفي الحقيقة لا يعني الاختفاء الرسمي لتلك المؤسسات المرتبطة ارتباطا وثيقا بالتقاليد العربية الإسلامية زوال البنيات الفكرية والثقافية التي كانت أساسا لها، إذ ظل مثقفو الحركة الإسلامية وعلى وجه الخصوص أبناء “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” متشبعين بالثقافة الإسلامية المغاربية التقليدية من جهة، وبالفكر الإسلامي المشرقي المتشدد من جهة أخرى. وليس هذا فحسب بل ترك هؤلاء بصماتهم على الحياة الثقافية وخصوصا على محتوى التعليم الديني وحتى غير الديني في الجزائر.

ولتجريد الناشئة من ملكة النقد، حاول البعض ممن كانت تعتبرهم الإدارة الجزائرية أساتذة فلسفة في منتصف ثمانينات القرن الماضي أن يقودوا حركة ضد تعليم مادة الفلسفة لطلبة الباكالوريا في الجزائر. وقد أمضى العشرات منهم عريضة تطالب وزارة التربية والتعليم بحذف مادة الفلسفة نهائيا من البرامج والمقررات.

وكان هدف الإسلاميين على اختلاف مشاربهم ولا يزال هو حرمان التلاميذ من الحوار الحر والجدل والاختلاف الجذري، وذلك ليسهل دمجهم في إجماع مقيت ولتنمية الأوهام والمحافظة على الأفكار المسبقة التي زرعت فيهم في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة.

وفي غياب الفلسفة والتفكير الحر تبقى المسلمات في التوالد وتبقى الذات المتوهمة تتوهم ويتوالى الانحدار نحو التعصب وتزداد معاداة الصيرورة.

يكفي إلقاء نظرة متفحصة على المقررات التي كانت سائدة لنعرف أنه من السنة الثالثة إلى التاسعة من التعليم الأساسي كان المحتوى متجذرا في التقليد وأقرب إلى التصور الأشعري في مسألة القدر مثلا منه إلى تصور المعتزلة، وهذا يدل على أن معظم البرامج كانت مقترحة من طرف أعضاء من جمعية العلماء المسلمين أو من المتعاطفين مع فكرها.

وهو الأمر الذي جعل الكثير من التربويين والإعلاميين ينتقدون الوجود الديني التقليدي في المدرسة الجزائرية وقد ذهب بعضهم إلى رد الصعود الكبير للأصولية في الجزائر، ومن ثم ظاهرة الإرهاب، إلى المدرسة الجزائرية.

الأستاذ والكاتب رشيد شكري يكتب “لم تكن المادة المقدمة للتلاميذ سوى سلسلة من المعلومات تتخللها رسائل عنف ونداءات إلى الانشقاق مقدمة في نصوص قراءة مدعمة بقيم ومبادئ دينية في خدمة أيديولوجيا تنشر الكراهية بين الناس وتقسم البشر إلى مؤمنين وكفار”.

المجتمع الجزايري قايض المستقبل بالماضي، حرية التعبير والتنوع بلغة الخشب والبلاغة الفقهية والحس المدني بالتعصب

ولتغييب التصورات الحقيقية للحضارة من الأقسام، يضيف الكاتب “يبقى تلامذتنا يعيشون في عالم قروسطي بكل مواصفات التقهقر”. أما جريدة الوطن الجزائرية الصادرة باللغة الفرنسية فقد نددت بالوضع الذي عاشه التعليم في البلد تحت عنوان “شهادات العار”.

جاء من بين أشياء كثيرة غريبة متعلقة بكيفية توظيف المعلمين والأساتذة أن هناك الكثير من الأشخاص دخلوا الجامعة ولم يكن لديهم من زاد دراسي سوى قضائهم بعض السنوات في مدارس الزوايا، والبعض الآخر وبنفس المسار الدراسي أرسلتهم جبهة التحرير الوطني إلى الدراسة في بعض المدارس الدينية في بلدان عربية ابتداء من سنة 1956، وعند عودتهم لم يجدوا أدنى صعوبة في الحصول على معادلة أكاديمية لشهاداتهم كشهادة التعليم المتوسط والباكالوريا والليسانس (الإجازة).

وفي كتاب تحت عنوان “النزول إلى الجحيم”، قدمت الكاتبة ليلى أيت العربي تحليلا لواقع المدرسة الجزائرية وكيف نخرها الفكر الأصولي بتواطؤ مع النظام الحاكم، تقول “قايض المجتمع الجزائري البيداغوجيا بالأيديولوجيا، المستقبل بالماضي، وحرية التعبير والتنوع والغنى اللغوي بلغة الخشب والبلاغة الفقهية، والحس المدني بالتعصب، والتفكير بالتعلم السلبي.. فشل المدرسة هو فشل المجتمع، فشل البلد برمته، فشل السياسة التي رفضت التوجه إلى المستقبل واكتفت بالنظر إلى الماضي كمرجع ممكن ووحيد”.

وفعلا لقد انعكس ذلك التوجه على أداء المدرسة الجزائرية وارتكزت منهجيات التعليم حول مقاربة لم تترك أي فرصة لا للتعدد ولا للإبداع فكانت موحدة ووحيدة على كل التراب الوطني ضاربة عرض الحائط بالخصوصيات الجغرافية والإثنية واللغوية.

وكان الدور المناط بالمدرسة الجزائرية ولا يزال بناء هوية مركبة مرتكزة على اللغة العربية والإسلام والأمازيغية، وهو تركيب مصطنع وليد تاريخ مستورد مفروض وقد بات مرتعا يستغله الإسلاميون لخنق المجتمع.

13