الفكر الانتحاري

الاثنين 2016/03/07

لعل من الغرابة بمكان توصيف الفكر بالانتحاري، أو الجمع بين الفكر والانتحاري في تركيب واحد، ذلك أن الفكر يفترض وجود شخص يعمل عقله وفكره في إجراء مقارنة بين مختلف الأمور، ويستوجب حضور حد أدنى من التوازن والمساءلة، لكن أن يتحول الفكر إلى أداة انتحارية، فهذا ما يضعه في خانة الأسلحة الفتاكة التي تتفوق بخطورتها على خطورة الأسلحة المادية.

تشدّقت الأنظمة الاستبدادية بأنها تسعى إلى بناء جيوش عقائدية، في الوقت الذي أثبتت الوقائع والمجريات فشل تلك التربية العقائدية التي سعت إلى تأليه الزعيم وتهميش الوطن، وحرصت تلك الأنظمة على أن يكون الفداء للزعيم قبل الهتاف بافتداء الوطن، وأجرت نوعا من المزاوجة بين الزعيم والوطن بطريقة تلغي مفهوم الوطنية لصالح الولاء للزعيم الأوحد. وقد فشلت في صناعة الولاء، أو بناء الولاء للوطن، وكانت مساعيها وسياساتها العقائدية محصورة في إلغاء التفكير الحر، وحشو رؤوس الأتباع بمقولات تمجد القائد فقط، وتبرر القتل من أجل الدفاع عنه، ويكون هناك دوما عدو يتم تضخيمه ليوازي الرعب المصنوع المفخخ بدوره. وكان السعي لانتهاج سياسة تدريب وصناعة انتحاريين وتسميتهم بفدائيين.

الجماعات الدينية التي تستخدم الدين وسيلة لسياساتها في السيطرة على المجتمعات والدول، تجهد بدورها لترويج الفكر الانتحاري بين أتباعها، ويكون الأمر بتهيئة انتحاريين محشوة أدمغتهم بأوهام الجنان وعظمة ما سيقدمون عليه، ولا يخلو الأمر من تصنيع شعارات مضخمة لتبرير الجرائم المقترفة باسم الدين، والإيداء بالأبرياء من المدنيين والأطفال والنساء.

وهناك جماعات سياسية تزعم محاربتها للتوظيف السياسي للدين، لكنها تعتمد تطبيقات دينية بصبغة مؤدلجة، من قبيل إسباغ صفات العظماء ونزلاء الفراديس على أتباعها الذين تدفعهم للقيام بعمليات انتحارية، وهنا يناقض الفكر نفسه، فالفكر الذي يزعم حداثته وتحرره يقود إلى المستنقع نفسه الذي يقود إليه الفكر الظلامي، ويكون اللجوء إلى العمليات الانتحارية كوسيلة لتحصيل بعض الأمور أو تطبيق بعض السياسات، وسيلة تفاوض دموية.

الفكر الانتحاري وسيلة أولئك الذين يفكرون بلؤم ودهاء لتطويع وتجنيد أولئك الذين يكون التفكير لديهم معطلا، يؤمنون بما يدس في رؤوسهم من مزاعم بعظمة الغاية التي تستوجب العملية الانتحارية المنتظرة، ويكون ذاك الفكر ميدان حرب بين الجماعات الدينية والسياسية سواء سواء، بحيث يصل السائرون إلى الانتحار إلى درجة من التبعية المطلقة، يبدون معها كالسائرين نياما خلف منوميهم.

قد يحضر اختلاف حول التسمية من قبل هذا الطرف أو ذاك، كأن يكون توصيف العمليات بالفدائية أو الاستشهادية، ويكون لكل طرف ذرائعه المقنعة له ليضفي القداسة على ما يقوم به، لكن في هذه الحالات يكتسي الفكر حللا خطيرة وبائسة حين يصبح في خدمة غايات تقتل الإنسان وتفتك بالإنسانية، وحين يتحول إلى سلاح مفعل ضد الإنسان نفسه، في الوقت الذي يفترض به أن يكون للارتقاء بصاحبه ومحيطه.

كاتب من سوريا

15