الفكر العربي هل يراوح مكانه أم يتقدم؟

الكاتبة الجزائرية غزلان هاشمي تحلل المقاربات الفكرية العربية لإشكالية التحيز في كتابها الصادر حديثا "قراءة في تحيّزات الخطاب في الفكر العربي المعاصر".
الثلاثاء 2020/02/11
شجرة المعرفة الإنسانية لا تضاء إلا بالفكر (لوحة للفنان وليد المصري)

في ظل واقع يموج بالصراعات والتجاذُبات بين مُختلف الأطراف، ونمط من العنف بات سائدًا على مختلف الأصعدة، تأتي أهمية بحث أسس تلك الصراعات بما تخفيه من تحيّزات كامنة في مختلف الخطابات، بُغية نقد ومساءلة الجذور العميقة لها ومن ثم تجاوزها ونقضها، وانطلاقًا من تلك القناعة يأتي كتاب الباحثة والكاتبة الجزائرية غزلان هاشمي “قراءة في تحيّزات الخطاب في الفكر العربي المعاصر” الصادر حديثًا عن دار خيال للنشر والترجمة بالجزائر.

تُصدِّر الباحثة كتابها بطرح عدد من التساؤلات مثل: كيف يتم تصوير الحقائق وإدراكها؟ ما هي نتائج النظرة الأحادية للأمور؟ كيف نقضي على الجاهزية والصفة التبجيلية والتقديسية لمتصورات الذات؟ وتسعى لمقاربة تلك التساؤلات عبر أربعة مباحث ضمّت: الإطار المفاهيمي لإشكالية التحيز، والسياقات العامة للبحث في إشكالية التحيز، وعرض بعض المقاربات العربية التي بحثت في إشكالية التحيّز، ثم التأكيد على أهمية الحوار كصيغة تعايش في المبحث الأخير.

يشي عنوان الكتاب بمضمون مُغاير لما يُقدِّمه، فبينما يشير العنوان إلى أن الكتاب بصدد بحث وتوضيح أشكال التحيز الكامنة في الخطابات الثقافية العربية، نجد سياق الكتاب وتوجهه لا يتوخى ذلك المعنى بأي حال؛ إذ تُبين الباحثة عبر كتابها كيف قاربت الكتابات الفكرية العربية إشكالية التحيّز ووضعية الذات في ظل مركزية غربية قارة ومُهيمنة، وهي في تلك الحالة المذكورة لا تسعى إلى النقد والتفكيك لتلك الأطروحات بقدر ما تتوافق معها وتتبنّى معظم مقولاتها.

مفهوم التحيز

غزلان هاشمي: أهمية الحوار في التخفف  من الرؤية الأحادية وتقبل الآخر
غزلان هاشمي: أهمية الحوار في التخفف  من الرؤية الأحادية وتقبل الآخر

توضح الكاتبة أن التحيّز يتأسس على مفهوم الانغلاق ومركزية الأنا وحضورها الدائم في كل الخطابات، فيتم تفسير كل الظواهر على اختلافها بالنظر إلى هذه الأنا، ويغيب خطاب الحقيقة ليُعوّض بخطابات تتوخى إقصاء غيرها ووسم أصحابها بكل سمات الانتقاص، وذلك في ضوء التنميطات الجاهزة والتهميش لكل مغاير، وهو ما يتم تحقيقه عبر عدد من الآليات مثل الإدراك الجزئي للظاهرة بواسطة تغييب الحقائق والتلاعب بها بما يناسب ميول الذات وأهوائها، والتعتيم أي إلغاء كل الصور الإيجابية عن الآخر من أجل بناء نسق معرفي منغلق عنه، وكذلك هدم مرتكزات القيميات المغايرة بخلق صور نمطية عن الذات والآخر.

من هذا المنظور، يتأسس التحيّز على مفهوم المركزية التي تعني احتفاء الذات باعتباراتها إلى حد التضخيم في مقابل تهميش المغاير، بالاعتماد على آليات خطابية محددة. ففي الغرب أتت كراهية العالم الغربي للآخر نتاج سنوات طويلة من سعي المؤسسات الرسمية السُلطوية إلى توجيه الرأي العام نحو ما يخدم مصالحها الخاصة، وبالتالي فهناك عدد من السياقات التي وجّهت وعي الباحثين نحو البحث عن الحقيقة في جوهرها لا في صياغات غربية متحيزة.

حينما نتوقف أمام ذلك التأسيس لمفهوم وموضوع البحث، نجد أن الكتاب قد يكون وقع في المأزق الذي يُعارضه، فإن كان ثمة خطاب غربي متعملق ومتضخم ومنغلق على نظرته المُتحيّزة يستحق النقد والفحص باستمرار، فإن المُنافحة عن خطاب عربي بديل غير قادر على مُجاوزة نرجسيته المتكئة على ماض وأفق تاريخي لا يُعد نقدًا لإشكالية التحيّز بقدر ما هو تأسيس لتحيّز بديل، بيد أن ذلك التحيز البديل سيظل عاجزًا عن الإقناع بخطابه المُنطلق من وضعية حضارية مُتدنيّة، طالما لم يضع حلولا ناجعة لتجاوز أزمة فواته الحضاري.

الوعي بالمشكلة

التحيّز يتأسس على مفهوم الانغلاق ومركزية الأنا
التحيّز يتأسس على مفهوم الانغلاق ومركزية الأنا

ترى الباحثة أن من أبرز السياقات التي شكّلت الوعي بأهمية نقض الصياغات الغربية المُتحيزة، مفهوم الحداثة الذي تأسس في العالم العربي على انسياق واضح وراء استعارات مفاهيمية غربية، فالحداثة كملمح عام في المجتمع العربي ككل لم يتحقق آنيا بينما ظهرت كتفكير وسلوك فردي عند أشخاص معينين وفي فترات مختلفة. وكذلك مفهوم ما بعد الحداثة الذي كان تفكيك المركزيات سمة أساسية به.

وفي سياق ما بعد الحداثة، تأتي تفكيكية جاك دريدا الساعية إلى القضاء على التحيّزات الكامنة في الخطابات المُنطلِقة من مركزيات محددة، والتي ظهرت في شكل مُضمرات خطابية لغوية تهدف إلى إلغاء الاعتبارات المغايرة، فقد مهدت التفكيكية الطريق لتفكيك اللغة وفضح ممارساتها السلطوية، فبدأ اهتمام المفكرين العرب يتجه ناحية الخطابات الفلسفية الغربية والعربية لفضح الأنساق المضمرة وأيديولوجيا التحيز. ومن ثم قارب المفكرون العرب الخطابات الفكرية لكشف المسكوت عنه ومراجعة المفاهيم المتوارثة والخطابات الفلسفية والدينية والأدبية التراثية.

وتشير الباحثة إلى أن ثمة سياقات عربية أيضًا دفعت الباحثين للتعرف إلى التحيّزات الكامنة في الخطابات الغربية، ومن أبرز تلك السياقات المثاقفة؛ فظهور المصطلح في البيئة الفكرية العربية أسهم في توجيه العقل العربي نحو مساءلة الخطابات المستعارة من الغرب نظرًا لعدم خلو خطابها من إكراهات الآخر وحدود رؤيته وتحيّزاته الكامنة في مضمرات خطابية محددة، بينما جاءت نقطة الانطلاق الثانية عقب هزيمة يونيو – حزيران 1967 وخيبة المشروع القومي في تحقيق أهدافه، فارتكز فكر هذه المرحلة على التساؤل حول وضعية الذات ومرتكزات الهوية وانطلقت الدعوات لنقد العقل العربي ومراجعة التراث اللغوي والفكري ونقد الأيديولوجيا العربية التي تحمل مضمرات خطابية منغلقة أدت إلى جمود الفكر العربي.

وفي الواقع، فإن مساءلة الذات التي وقعت ضحية الفوات الحضاري جرّاء تلك الهزيمة وما سبقها من سياقات، لم تتعرض له الباحثة في كتابها، إذ كان انشغالها الرئيس مُنصبًا على تلك الخطابات التي ضخّمت الذات العربيّة واستندت إلى خطاب دفاعي عن الذات ومآثرها في مواجهة الجرح النرجسي العربي والصورة المُشوّهة التي تعكسها مرآة الآخر.

أيضًا، توضح الباحثة أن ظاهرتيْ العنف والإرهاب قد نبهتا المفكرين العرب إلى أن اللغة ذات حمولات أيديولوجية تروّج إلى العنف من خلال تضليل الآخر وأبلسته، كما أن مصطلح الإرهاب الذي ظهر منذ تغير الواقع السياسي في العالم يطرح ضرورة مراجعة التوصيفات اللغوية المقدمة من قبل الغرب الهادفة إلى ضرب الوجود العربي، وكذلك العولمة التي تمارس سياسة الطمس والاستبعاد للتشكيلات الثقافية الأصيلة وتساعد على ظهور الفكر الامتثالي للآخر وذلك بتحويل كل المغايرات إلى عناصر هامشية.

مُقاربات عربية

إدوارد سعيد تحدث عن تدخل المرجعية الاستعمارية في تحويل الشرق إلى صنعة لغوية غربية في خطاب الاستشراق
إدوارد سعيد تحدث عن تدخل المرجعية الاستعمارية في تحويل الشرق إلى صنعة لغوية غربية في خطاب الاستشراق

استعرضت الباحثة الجهود الفكرية لستة مفكرين هم أنور عبدالملك، إدوارد سعيد، حسن حنفي، عبدالله إبراهيم، عبدالوهاب المسيري، طه عبدالرحمن، في بحث التحيزات الأيديولوجية في الخطاب. لكنها لم تُبيّن أسباب اختيارها لهذه الأسماء دون سواها. فكانت البداية مع المفكر المصري أنور عبدالملك الذي أشارت إلى أنه كشف عن خطاب الاستشراق الهادف إلى تشويه صورة العرب والمسلمين وخلق مركزية حضورية متعالية، فنشر مقالا بالفرنسية عام 1963 بعنوان “الاستشراق في أزمة”، وكان ذلك من بدايات نقد الاستشراق حتى قبل كتاب إدوارد سعيد عام 1978، ثم مثّلت كتاباته تأكيدا على رفض المركزية الأحادية والبحث عن التعدد والحوار لا الصدام.

أما بالنسبة إلى إدوارد سعيد فقد تحدث عن تدخل المرجعية الاستعمارية في تحويل الشرق إلى صنعة لغوية غربية في خطاب الاستشراق، فغيبت المعرفة الحقيقية في محاولة لتوجيه الوعي نحو تقبل الصورة النمطية التي أنتجها الغرب، فيحذر سعيد من أن يتمثّل الشرق بالاعتبارات المُستبطنة في الخطابات الاستشراقية، وفي السياق الناقد لمكامن الصورة المُتحيزة صنيعة الغرب تأتي جهود المُفكر المصري حسن حنفي الذي أسس علم الاستغراب بغية الانتقال من العلاقة التراتبية بين الأنا والآخر بما تحمله من التباسات أيديولوجية وتمايز بين صورة الأنا الغربية الموهومة بتضخماتها وصورة الآخر في هذه الأنا المتجهة نحو الانتقاص والتقزيم، سعيا للتعرف إلى كيفية تموضع الوعي الغربي في مركزية غير واضحة عبر التاريخ الحديث. وفي حديثها عن الناقد والمفكر العراقي عبدالله إبراهيم، أوضحت الباحثة أنه سعى إلى استجلاء التناقضات الكامنة في الثقافات المتمركزة والتعرف إلى مضمرات الخطاب وتهيئة هوية الاختلاف المركبة من عدة احتمالات والتي تحمل داخل اعتباراتها نقد الذات ونقد الآخر وبناء نفسها من جديد انطلاقا من النقد المزدوج.

وكانت الباحثة في عرضها لأعمال المفكرين الثلاثة السابقين غير مُتبِعة لمنهجية مُحددة في التعامل مع نقاط الارتكاز الرئيسة في أعمالهم، ومن ثم فقد استندت إلى الاقتباسات المرتبطة بموضوع الدراسة، ولم تتداخل كثيرًا لنقد أطروحاتهم الفكرية، باستثناء بعض التعليقات السريعة، فنجد أنها قد عقّبت على مشروع عبدالله إبراهيم بنقد عدم قدرته تقديم حل لإشكالية التحيّز والمركزيات المنغلقة، بسبب قراءته للخطاب الفلسفي الغربي والمنجز العربي القديم بآليات مستعارة من الغرب تجسيدا لعقلية التطابق التي طالما نادى بضرورة التحرر منها، وكذلك ركزت فقط في مشروع حسن حنفي على إشكالية التطابق ذاتها لاسيّما في اختيار مصطلح الاستغراب الذي يشابه ويُطابق مفهوم الاستشراق.

غزلان هاشمي أشارت إلى أن كتابات المفكر المصري عبدالوهاب المسيري جاءت في سياق البحث عن اعتبار قيمي مؤسس على القاعدة القرآنية
غزلان هاشمي أشارت إلى أن كتابات المفكر المصري عبدالوهاب المسيري جاءت في سياق البحث عن اعتبار قيمي مؤسس على القاعدة القرآنية

وفي معرض حديثها عن المفكر المصري عبدالوهاب المسيري، أشارت إلى أن كتابات المسيري جاءت في سياق البحث عن اعتبار قيمي مؤسس على القاعدة القرآنية، إذ حاول تحري ارتكازات المجتمع الغربي ومسببات تحييده للحس الخلقي، مجاوزا في ذلك النبرة الخطابية التي لا تركز على الأبعاد المعرفية أو التغيّرات الحاصلة في المجتمعات، فارتكز النقد الإسلامي للحداثة الذي قدّمه المسيري على فضح خطاباتها ومرجعياتها المبنية على أسس امبريالية كما طرح حلولا حول إمكانية إقامة مشروع حداثي إنساني عربي، وإقامة نسق فكري عربي إسلامي مؤسس على التجاوز والتعدد ومعول على الجانب الروحاني والديني والرباني في الإنسان وذلك نفيا للنموذج الغربي المادي الطبيعي الجسدي.

أما مشروع الفيلسوف المغربي طه عبدالرحمن فقد بيّنت الكاتبة أنه قد سعى إلى تحقيق فلسفة عربية تتمايز عمّا سواها في مختلف اعتباراتها وتتأسس على السؤال. إذ يسعى إلى بناء حداثة تتأسس على الإبداع المرتكز على: الاعتراض على كل أمر منقول حتى يثبت صحته بالدليل، والتسليم بكل أمر مأصول حتى يثبت فساده واختلاله بالدليل، والسعي إلى بناء فلسفة عربية أصيلة من خلال مراجعة القول الفلسفي ومحاولة تخليصه من التقليد والتبعية، وتأسيس حداثة إسلامية تبني اعتباراتها انطلاقًا من النقد الأخلاقي للحداثة الغربية. سعى طه عبدالرحمن إلى بناء حداثة إسلامية أخلاقية تهدف إلى ترسيخ القيم على عكس الحداثة الغربية الي تبني رؤيتها على تجاوز الأخلاق وفصل العلم عنها، من هنا جاءت دعوته إلى حداثة إسلامية تحتفي بالعقل المؤسس على الإيمان، والسياسة المؤسسة على الخير، والثقافة المؤسسة على الفطرة في مغايرة لاعتبارات ومفاهيم الحداثة الغربية التي تؤسس العقل السياسي على المصلحة والسلطة.

اختتمت الكاتبة الجزائرية مؤلفها بالتأكيد على أهمية الحوار في التخفف من الرؤية الأحادية وتقبل الآخر والنظر إليه كمكمّل للهوية والنظر إلى الاختلاف باعتباره مقوما من مقومات الهوية، وهو تأكيد بديهي رُبما لا يحتاج إلى تكرار، ولكن سُبل تحقيق ذلك هي المسألة الإشكالية التي تحتاج إلى توضيح للمسارات والإشكاليات المُعيقة لذلك وسُبل تجاوزها.

وربما يكون الخيار الأصلح ردًا على الإشكالية التي أظهرها الكتاب من خلال زاوية تناوله المُختارة، ماثلا في مقولة جورج طرابيشي في كتابه المُهم “من النهضة إلى الردة.. تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة”، “لا غنى اليوم عن الاستدارة نحو مراكز الحضارة الحديثة مثلما اتجه الإسلام الأول بصورة تلقائية نحو مراكزها القديمة في دمشق وأنطاكية والإسكندرية… هذا يحتاج إلى نظرية في الاتصال عجزت الثقافة العربية المعاصرة حتى اليوم عن صوغها… والخطير أن الأصولية والشريحة الامتثالية السائدة من الأنتلجنسيا العربية لا تقترحان سوى نظرية في الفصل. وهذا ما ينذر بعصر انحطاط عربي جديد ولكن مع فارق: فـ”المغول” آتون هذه المرة من داخل الحدود لا من خارجها”.

14