الفكر المتشدد يبث سمومه بالمجتمع التونسي في غياب الدولة

الأحد 2016/07/10
متهمة أم ضحية

تونس - أطلقت منظمات تونسية ناشطة في مجال الدفاع عن حقوق المرأة صيحة فزع على خلفية استفحال الزواج العرفي في صفوف الشباب وخاصة طلبة الجامعات وتلاميذ المعاهد الثانوية السلفيين.

وكانت دراسة حديثة قد أظهرت أن هذه الظاهرة سجلت انخفاضا طفيفا قدر بـ32 بالمئة خلال النصف الأول من العام 2016 مقابل 37 بالمئة العام 2015 نتيجة محاصرة نشاط الجماعات السلفية، ولكن يبقى ذلك دون المأمول.

وحذرت جمعية “حرائر تونس” وجمعية الدفاع عن “حقوق المرأة” و”الائتلاف المدني للدفاع عن الحريات الأساسية” وجمعية “المرأة التونسية” وجمعية “نساء تونس” من أنّ ظاهرة الزواج العرفي التي انتشرت خلال السنوات الخمس الماضية باتت تهدد مكاسب المرأة لتنسف حقوقها الأساسية.

وحمّلت الجمعيات، التي تعد بمثابة الرابطة الوطنية المناهضة للجماعات السلفية، في بيان تلقت “العرب” نسخة منه السلطات مسؤوليتها السياسية والمدنية والدينية والأخلاقية في انتشار الزواج العرفي في صفوف الشباب الذي يتبنّى الأفكار السلفية وخاصة طلبة الجامعات وطالباتها.

وقالت الجمعيات إن ظاهرة الزواج العرفي تمددت لتصل إلى تلاميذ وتلميذات المعاهد الثانوية الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و19 سنة، مشددة على ضرورة مقاومة الظاهرة التي بدأت تنخر كيان المجتمع وتستهدف قوانين البلاد التي تمنع الزواج العرفي.

وأرجعت الناشطة روضة الجريبي ظاهرة الزواج العرفي إلى مظاهر التهميش والأمية وانتشار الفكر المتشدد ملاحظة أن هناك خيطا رابطا بين شتى أنواع الانحراف عن المنظومة القيمية والثقافية في المجتمع.

وخلال السنوات الأخيرة أصبح عدد من المساجد ملاذا للسلفيين للترويج للزواج العرفي إذ أفادت شهادة تحصّل عليها اتحاد المرأة التونسية أن أحد المصلين عرض عليه ملتح الزواج عرفيا من إحدى المنقبات.

ووفق حبيب الراشدي الناشط في “جمعية مراقب” فقد انتشرت ظاهرة الزواج العرفي في الجامعات تمهيدا لاستدراج التونسيات لجهاد النكاح حتى أنها تسللت إلى عدد من المعاهد والمساجد الخارجة عن سيطرة الدولة.

وينحدر 93 بالمئة من المتزوجين عرفيا من الأوساط الاجتماعية الفقيرة القاطنة في الأحياء الشعبية فيما ينحدر 7 بالمئة منهم من عائلات تنتمي إلى الشرائح السفلى من الطبقة الوسطى.

ويقر غالبية المتزوجين زواجا عرفيا بأن زواجهم يتم في إطار “الكتمان” وأنهم يرفضون “إعلانه” و”يحيطونه بالسرية التامة حتى لا يعلم به أحد”، غير أنهم لفتوا إلى أن “بعض الإخوة والأخوات (من السلفيين) على علم به”.

وتعتبر ظاهرة الزّواج العرفي خرقا لقانون الأحوال الشخصية الذي ينصّ على “الزواج المدني” بناء على “عقد” يحمي حقوق المرأة والرجل على حد سواء.

ويرى مختصون أن انتشار الزواج العرفي يعكس مدى قدرة التنظيمات الإسلامية وبخاصة السلفية على التغلغل داخل النسيج المجتمعي، ويفضح عجز الدولة عن احتواء الفكر المتشدد الذي لم تقف تبعاته فقط عند مسألة الزواج العرفي بل تعدتها إلى استقطاب المئات من الفتيات للالتحاق بالجماعات الجهادية.

ووفق وزارة المرأة، يوجد نحو 700 فتاة تونسية تتراوح أعمارهن بين 15 و35 سنة التحقن بالخلايا الجهادية سواء داخل البلاد أو خارجها.

وتتوزع الجهاديات التونسيات على العديد من الجماعات خارج البلاد منها جبهة النصرة (فرع تنظيم القاعدة في سوريا) وتنظيم الدولة الإسلامية، وداخل تونس منها أنصار الشريعة وكتيبة عقبة بن نافع وجند الخلافة وغيرها.

وفي ظل غياب إحصائيات دقيقة بشأن عدد الخلايا التي استقطبت الفتيات التونسيات يقدر الخبراء الأمنيون أن نحو 120 امرأة ينشطن ضمن 180 خلية جهادية مزروعة في القرى والمدن وفي الأحياء الشعبية وفي الجهات الداخلية خاصة منها المحاذية لسلاسل الجبال باعتبارها معاقل للجهاديين.

وخلال العام 2015 كشفت وحدات الجيش والأمن أن الجهاديين تمكنوا من تجنيد عدد من الفتيات سواء لتوفير المؤونة أو لتوفير الإسناد اللوجستي. وفي نفس العام فككت الأجهزة الأمنية أكثر من 50 خلية جهادية تضم العشرات من النساء كما فككت خلية جهادية نسائية موالية لتنظيم الدولة.

ودفع الشحن العقائدي بأكثر من 15000 شاب وفتاة إلى محاولة السفر إلى سوريا للالتحاق بمعاقل جهاديي تنظيم الدولة غير أن السلطات الأمنية أكدت أنها منعتهم من السفر بعد أن تفطنت إلى نواياهم.

ووفق الدراسات القليلة المتوفرة تعود علاقة المرأة التونسية بالتنظيمات السلفية إلى بداية الثمانينات حين سافر العشرات من التونسيين رفقة زوجاتهم إلى أفغانستان للقتال إلى جانب القاعدة ضد قوات الاتحاد السوفييتي من 1979 إلى 1989 ثم تدفق خلال التسعينات المئات من التونسيين على أفغانستان وأسسوا عام 2000 ما يعرف آنذاك بـ”الجماعة التونسية المقاتلة”.

وخلال الفترة بين عامي 1985 و2010 ضربت تونس طوقا أمنيا مشددا على نشاط جماعات الإسلام السياسي عامة وتمكنت إلى حد ما من تجفيف منابع الفكر الجهادي إذ لم تسجل مشاركة أيّ امرأة في أيّ خلية جهادية.

وفي أعقاب سقوط نظام الرئيس بن علي بدأ الفكر الجهادي يتسلل مجددا إلى المجتمع التونسي بنسق تصاعدي مريب.

وتحمّل المنظمات الحقوقية ظاهرة الجهاديات التونسيات إلى “انسحاب الدولة” من فضاءات المجتمع وتسامحها مع المتشددين الأمر الذي فتح المجال واسعا أمام الجماعات الجهادية لتضرب بعمق مكانة المرأة في تونس التي كثيرا ما راهنت عليها كعنوان للحداثة وكحاملة للقيم المدنية.

وتطالب السلطات بوضع خطة استراتيجية شاملة لحماية المرأة من استفحال الفكر الجهادي، محذرين من أن مكاسب المرأة التي تحققت في ظل دولة الاستقلال باتت مهددة أمام تسونامي بدأ ينخر حرية المرأة وحقوقها.

2