الفكر المتطرف

التطرف يقوم على علاقة بالحقيقة محرَّفة يشهرها مدّعيها علنا دون أن يسعى إلى البرهنة عليها بالحجج والدلائل، لأن انخراطه انفعالي.
الخميس 2018/03/15
التطرف ليس دينيا فقط، بل يمكن أن يكون أيضا سياسيا، وأيديولوجيا

تحيل لفظة “المتطرفون” في أصلها الـلاتيني فاناتيكـوس fanaticus على الكهنة التابعين لبعض الآلهات كإيزيس وكيبولي وبلونة، وكانت تأخذهن حالة وجد مقدس يهرقن خلاله الدماء. يقابلها في العربية الغلاة، يقال غلاَ فلانٌ في الأَمر أو في الدِّين: تشدَّد فيه وجاوز الحدَّ وأفرط، ثم صارت لفظة التشدد -أو التطرف- هي الرائجة، وتطلق على كل شخص يسكنه هوس أعمى، وتحمّس أقرب إلى الهذيان لفكرة أو قضية ينخرط فيها بلا روية، ما يجعله يرهن لها نفسه تماما، فتملكه قناعة يفقد معها كل شكل من أشكال الحرية، وكل قدرة على الاعتراف بالغيرية بصفتها تلك.
ذلك أن التطرف يقوم على علاقة بالحقيقة محرَّفة يشهرها مدّعيها علنا دون أن يسعى إلى البرهنة عليها بالحجج والدلائل، لأن انخراطه انفعالي، ومن ثَمّ يتأتى عنف قناعته وفق منطق عاطفي يمنع كل إمكانية للتبادل الهادئ مع الآخر، الذي يكون خاطئا من حيث المبدأ لمجرد أنه لا يؤمن بالعقيدة نفسها.
وبما أن الفرد الذي يدعي امتلاك الحقيقة لا يستطيع أن يكبح نفسه عن رغبة فرضها على الآخرين، تتحول القناعة لديه إلى عنف، فإما أن يضحّي بالآخر وحده عقابا له، أو أن يضحّي به وبنفسه معًا إذا تعذر عزل الآخر عن محيطه. هذا النمط من الالتزام المؤدي إلى الجنون القاتل يتميز بكونه شديد العدوى، حيث يتشكل المتطرفون في الغالب ضمن قوة اجتماعية، أو عسكرية، لها أحيانا من قوة الدولة وعدتها وعتادها ما تستعمله لتكون مؤسسة هيمنة على الأفراد والضمائر، من خلال البروباغندا، والتهيئة النفسية، وبث الرعب.
والتطرف ليس دينيا فقط، بل يمكن أن يكون أيضا سياسيا، وأيديولوجيا، وحتى أخلاقيا تحاول من خلاله مجموعةٌ فرض نمط عيشها ورؤيتها للعالم على الآخرين. ويقوم في كل الأحوال على ركائز أربع هي: أولا، خلق حاجز بين ما يؤمن به الفرد (أو الجماعة)، وبين المرور إلى الفعل لفرض قناعاته. ثانيا، إنكار الخصم، ما يسهّل إلغاءه لاحقا وتصفيته. ثالثا، الاستناد إلى مرجع أعلى عن طريق خلق متن أيديـولوجي يشرع إنكاره الآخر تمهيدا للتخلص منه. رابعـا، المعتقد، ليس بوصفه انخراطا عقلانيا ضمن متن من الأفكار الميتافيزيقية أو الأيديولوجية بل كتمجيد لفكرة أو صورة أو متن متخيل يتمثله الفـرد أو المجموعة، ويلتزم ببنوده.
يقول الفيلسوف إميل أوغست شارتيي الشهير بـ“ألان” (1868-1951): “ثمة شيء آلي في الفكر المتطرف، فهو يعود دائما من السبل نفسها، دون رغبة في البحث أو الابتكار، لأن الدغمائية أشبه بهذيان مُعاد”.

15