الفكر المتطرف هل يمكن تغييره

الثلاثاء 2014/08/26

تشير أحداث وأعمال العنف والإرهاب التي تقع في عدد من دول العالم ومناطقه، إلى أن التطرف والإرهاب ظاهرة عالمية، وليس له دين أو وطن، وهذه الأحداث يجب أن تفتح الباب واسعا لمناقشات متعددة ومتداخلة التخصصات لاستكشاف مظاهر وأسباب هذا التطرف والإرهاب المنوط بالعنف والتعصب والكراهية، وبالتالي اقتراح أساليب العلاج الفعالة على مستوى الفرد والمجتمع.

يمكن القول إن التطرف حالة نفسية مرضية تصيب الفرد أو الجماعة. وأصحاب الفكر المتطرف والسلوك التدميري لديهم توجهات وقناعات فكرية معينة لا يرغبون في التخلي أو التنازل عنها أو حتى مناقشتها مع الآخرين، كما أنّ الفكر المتطرف نتاج خلل في وسائط التنشئة الاجتماعية، وقد يساعد في نشوء التطرف والإرهاب تزايد فوضى الثقافة والفتاوى في المجتمع وكذلك فوضى الخطاب الديني، خاصة خطب بعض الوعاظ التي تحتوي على أفكار تدعو وتحرض على رفض الآخر وكراهيته، كما أن التطرف العنيف قد تكون له دلالات سياسية.

ورغم أهمية المعالجة الأمنية ونتائجها الناجحة في مكافحة الأعمال الإرهابية وحتميتها، إلا أنها ليست كافية، فالحرب على الإرهاب والفكر المتطرف، هي حرب فكرية تبدأ بمحاربة أصحاب الأفكار المتطرفة، لأنّهم نتاج خطاب ديني متشدد وثقافة منغلقة.

وعلى الرغم من أن العلوم النفسية من بين التخصصات ذات الأهمية في مجال مكافحة التطرف والإرهاب، فإنها تلقى اهتماما قليلا نسبيا في هذا المجال.

والسؤال المهم المطروح هنا هو: كيف يمكن لعلم النفس أن يساعد في تحسين فهمنا للتطرف والإرهاب وغيره من سلوكيات عنيفة وتدميرية، وكذلك في منعه ومكافحته مبكرا؟

يمكن القول إن دراسة سلوكيات الأفراد المتطرفين والإرهابيين ومعتقداتهم وبيئاتهم، يمكن أن تفيدنا مستقبلا في منع التطرف والإرهاب ومكافحتهما. فأشكال السلوك التدميري للآخرين وللذات تكون متجذرة في شعور الفرد بالانقطاع عن العالم المحيط به، وعدم قدرة الفرد على التوافق والتكيف النفسي والاجتماعي والشعور بالاغتراب السلبي والعزلة، ومعاناته من مشكلات واضطرابات في العلاقات مع الآخرين، كلها أسباب قد تدفعه إلى القيام بسلوكيات متناقضة ومؤلمة، من بينها العنف والسلوك التدميري تجاه الذات أو تجاه الآخرين، كما أن دراسة العلاقات العرقية والمعتقدات الخاطئة نحو المهاجرين والهجرة يمكن أن تكون من بين العوامل المنبئة بسلوكيات العنف والتدمير في المجتمع، فالأشخاص الذين يواجهون مشكلات في علاقتهم مع الآخرين وفهمهم، أو صعوبات في اندماجهم في المجتمعات الغربية، يمكن أن تتولد لديهم اضطرابات نفسية تؤدي إلى مآسٍ كثيرة.

لذلك فإنّ أصحاب السلوكيات العنيفة والتدميرية والهدامة، لديهم آيديولوجيات وأفكار واحدة جاهزة من دون تمحيص وتحقيق، تخدمهم وتشجعهم على تنفيذ أعمالهم المتطرفة والتدميرية، إذ يقومون بتصميم هجماتهم والتخطيط لها وتنفيذها دون حساب لعواقبها، وفي حالة من الهدوء القاتل الذي يتميز بجمود التفكير وأحاديته، أي في اتجاه واحد، الأمر الذي يجعلهم في حاجة إلى علاج سلوكي معرفي (Cognitive Behavioral Therapy) لمواجهة أفكارهم ومكوناتهم المعرفية وقناعاتهم ومعتقداتهم وتصوراتهم السلبية الخاطئة (وهي جل التصورات التي قادتهم إلى انتهاج العنف)، وبالتالي تغييرها واستبدالها بأفكار ومعتقدات صحيحة عقلانية وواقعية.

وقد تبدو سلوكيات الأفراد المتطرفين والإرهابيين ظاهريا طبيعية لأفراد الأسرة والأصدقاء المحيطين، ولكن هؤلاء الأفراد داخليا يجهزون ويخططون لارتكاب مهمات وأعمال عنيفة وتدميرية، ولكن هذا لا يعني أنه لا يمكن الكشف عنها مسبقا، فهؤلاء الأشخاص قد تظهر عليهم علامات وإشارات سلوكية منبئة بالتطرف والعنف يمكن رصدها مبكرا عن كثب، كما أن هناك عوامل وعناصر مساعدة للتطرف، مثل الدعاة المتشددين أو المواقع الإلكترونية المتشددة التي تغذي التطرف والعنف.

ونشير هنا أيضاً إلى ضرورة أن تقوم الجهات الرسمية المتخصصة بمراجعة وتنقية كتب التراث وتنقيحها، والتي قد يستند إليها أصحاب الفكر المتطرف وينهلون منها، وذلك لفض الالتباس والفهم الخاطئ والقاصر والأفكار المغلوطة التي تسيطر على عقولهم.

وبهذا، يمكن القول إن جهود مكافحة التطرف والإرهاب والسلوكيات المضادة للمجتمع، تتطلب استراتيجيات طويلة المدى، تكمن في تكامل جميع أنساق المجتمع لوضع أسس الوقاية النفسية والفكرية مبكراً، حيث تؤدي في النهاية إلى أن تصبح لدى الأفراد دوافع داخلية تمنعهم من ممارسة السلوكيات التدميرية والعنيفة صلب المجتمع، من خلال توفير أساليب الحماية الداخلية ضد الأفكار والمعتقدات والاتجاهات الخاطئة الهدامة والتدميرية، التي تقوض من حالاتهم النفسية وتجعلهم مرتعا خصبا لهذه الأفكار، الأمر الذي يجعلهم يتأثرون نفسيا بما يطرح أمامهم من أفكار خاطئة وتدميرية تقودهم إلى العنف والتطرف والإرهاب. ومن الضروري أيضا أن تتمّ تنقية المناهج الدراسية من الشوائب السلبية التي تشوه صورة الآخر وتشجع على كراهيته وتعمل على تكريس سوء الفهم بين العالم الإسلامي والغرب.

خلاصة القول، إنّ الفكر المتطرف والإرهاب يحتاجان في تعامل المجتمع معهما إلى استحداث آليات غير تقليدية.

6