الفكر النقدي يكون دائما خارج السلطة أو لا يكون

الجمعة 2013/08/23
إدوارد سعيد: الهوية ليست شيئا ثابتا وهي منفتحة على التغيير والتحول

لايزال المفكر الفلسطيني الأصل والأميركي الجنسية الراحل ادوارد سعيد يستقطب الدارسين والباحثين في جميع قارات المعمورة نظرا لراهنية أفكاره وقدرتها على تجاوز محدودية الزمان وانخراطها في القضايا الثقافية والفكرية الساخنة والمستجدة في عالمنا المعاصر برؤية نقدية شجاعة ومنظورات حداثية.

في المدة الأخيرة صدر عن دار ابن النديم بالجزائر ودار الروافد بلبنان كتاب جماعي تحت إشراف الباحث والدارس الجزائري الشاب إسماعيل مهنانة وبمشاركة عدد من الباحثين الجزائريين إلى جانب الدارس العراقي عبد الله إبراهيم والباحثين التونسيين عمر بوجليدة ولطفي حجلاوي. يحمل هذا الكتاب عنوان: "إدوارد سعيد : الهجنة، السرد، الفضاء الإمبراطوري".


المثقف المقاوم


إلى جانب المقدمة الاستهلالية يحتوي هذا الكتاب على مساهمات كل من إسماعيل مهنانة: "في تفكير الهجنة مع إدوارد سعيد: فتوحات ما بعد الحداثة، وبن علي لونيس: "ملامح إشكالية الهوية : تحليل الخطاب الاستعماري عند إدوارد سعيد"، وعمر بوجليدة : "فكرة الهجنة والوعي بالأخر: السرديات العنصرية والمثقف المقاوم"، وعبد الله إبراهيم: "الهوية، السرد، والإمبراطورية: اشتغال مفهوم التمثيل عند إدوارد سعيد"، واليامين بن تومي: "السرد الإمبراطوري: تفكيك الانطولوجيا المغشوشة للسرد ما بعد الكولونيالي"، ولطفي حجلاوي: "إدوارد سعيد والكتابة المناضلة : النظرية، السياسي والاستشراق"، وسامية بن عكوش: "الطباقية أسلوب للتواجد والمقاومة في فكر إدوارد سعيد"، وسليم حولة: "الهوية ومفارقاتها في فكر إدوارد سعيد النقدي: بحث في الأصول الفكرية".

هناك جانبان أساسيان في هذا الكتاب وهما الجانب النظري المخصص لتحليل واستعراض النظريات والمفاهيم والمناهج التي وظفها واشتغل عليها أو نحتها إدوارد سعيد وخاصة في كتبه ذات الشهرة العالمية مثل "الاستشراق" و"العالم والنص والنقد"، و"الثقافة والإمبريالية" و"تمثيلات المثقف"، والجانب التطبيقي المكرس لنقل بعض الاستراتيجيات النظرية والمفاهيمية لإدوارد سعيد إلى مسرح نقد وتحليل بعض النماذج السردية الروائية الجزائرية.

إن هذين الجانبين النظري والتطبيقي يسلطان الأضواء على النظريات والمفاهيم التي يعتمدها إدوارد سعيد لمناقشة وتحليل المعالم العامة المهيمنة على الوضع الثقافي والفكري والسياسي في فترة الاستعمار وما بعدها سواء في المراكز الغربية أو في بلدان العالم الثالث التي لا تزال لم تفك الارتباط مع ميراث هذا الاستعمار الكلاسيكي والاستعمار الجديد المتمثل بشكل خاص في استيرادها للرأسمالية في صورتها المتوحشة والبدائية ولشكل الدولة الأمة ولنظام الأحزاب فضلا عن الثقافة الاستهلاكية.

من الملاحظ أن أغلب المساهمين في هذا الكتاب هم أساتذة فلسفة وهذا في حد ذاته توجه مهم على طريق جعل هؤلاء ينسلخون عن تقاليد التخصص ذي البعد الواحد والانفتاح على منظورات الدراسات الثقافية والنقد الثقافي والنقد الاستعماري ورغم ذلك فقد كان من المفيد لو أشركوا الباحثين والدارسين المتخصصين في فكر إدوارد سعيد وخاصة أولئك الذين عرفوه وترجموه وتفاعلوا مع كتاباته عن قرب.

رغم هذه الملاحظة البسيطة فإن هذا العمل الذي بين أيدينا سوف يساهم في التعريف أكثر بإدوارد سعيد لدى الجيل الجديد من طلاب وطالبات الجامعات والمهتمين الجدد بالنقد الثقافي والاستعماري في الجزائر والعالم العربي.

لاشك أن المساهمات التي يتضمنها هذا الكتاب المكرس لإدوارد سعيد قد مست وغطت كثيرا من المشكلات الكبرى التي حللها إدوارد سعيد مثل الهوية، والهجنة، وموقع ورسالة المثقف، وأخطار العنصرية، والاستشراق الغربي ومفهوم المقاومة الفكرية والثقافية والسياسية.


فكر متيقظ


إن تنوع وثراء هذه الموضوعات والقضايا يغريان بتوسيع النقاش حولها ولكنني سأكتفي هنا بالنظر سريعا إلى أهم القضايا التي تعرض لها هذا الكتاب، الذي يعتبر مبادرة إيجابية، وفي صدارتها أهمية فكر سعيد والكيفية التي تعامل بها مع نظريات ومفاهيم الفكر الغربي ودور المثقف وقضية الهوية.

منذ البداية يرى الباحث الجزائري إسماعيل مهنانة بأن الملاحظ للتغيرات السريعة التي تشق راهننا، يتحسس الحاجة الملحة والعاجلة لفكر منفتح ومتيقظ مثل فكر إدوارد سعيد، يتحسس بقوة الحاجة إلى ذلك الدرس العظيم الذي نتعلمه دوما من قراءة نصوصه ، وفي الوقت نفسه يعترف الدارس إسماعيل مهنانة بأنه "ليست ثمة وصفة نظرية ومنهجية جاهزة يمكن أن نخرج بها من فكر "سعيد" ولكننا نخرج منها "قراء أفضل" من الكيفية التي كنا نقرأ بها النصوص قبل ذلك".

ويلخص مهنانة أكثر العناصر الأساسية في فكر إدوارد سعيد التي يمكن أن تساعدنا في فهم مرحلتنا المعقدة والحرجة: "أما ما يهم القارئ العربي أكثر، في فكر إدوارد سعيد، وفي هذا الكتاب خصوصا، فهو ذلك الوضوح الذي نحتاجه في هذه اللحظة الحرجة والمفتوحة على كل الاحتمالات، لحظة العودة الطاغية للهوي وإلى مركز اللعبة السياسية، ومركز الثقافة والعودة البدائية للقوميات الدينية والطائفية ولحظة إفلاس الدول القومية والأنظمة السياسية الموروثة عن الاستعمار والمكررة للقومية الأوروبية".

أتفق مع الدارس مهنانة على أن العودة التفاعلية إلى الإنجاز الفكري لإدوارد سعيد وإلى نموذج المثقف النقدي الشجاع والنزيه الذي يمثله، ضرورة ملحة، كما أتفق معه على أن دراسة واستيعاب النظريات والمفاهيم التي استعارها إدوارد سعيد من المتن النظري والمنهجي الغربي وحتى من ابن خلدون والجرجاني وغيرهم وتلك التي نحتها بنفسه أمر لابد منه، ولكن لا ينبغي أن يتوقف قطار النشاط الفكري عندها إلى الأبد.

أعتقد أن المطلوب هو استيعاب وفهم وتمثل ثم تفعيل "الكيفية" التي تفاعل بها إدوارد سعيد مع الفكر النظري الغربي بشكل خاص ومع طرائق استخدامه له وفق منطقه وأهدافه وطبقا لإستراتيجيته التحريرية.

وفي هذا المقام نرى أن فضيلة إدوارد سعيد الفكرية التي ينبغي أن نستلهمها تتمثل في كونه لم يقم في غمرة هذا التفاعل المبدع بمجرد إقحام تلك النظريات والمفاهيم والمنهجيات الأكثر قوة وحداثة أو ترجمتها، بل قد تمكن من استخدامها على نحو خاص ومتفرد لتفكيك وكشف ثم نقد شطط العقل الغربي ولا عقلانيته المقنعة بالعقلانية وبميراث التنوير الأوروبي المزدوج المعايير وتحديدا في لحظة اللقاء الاستعماري الغربي الصدامي مع ثقافات وإنسان العالم الثالث الذي مارس عليه الغرب الاستعماري تقنيات المعرفة / السلطة لتغريبه ونزع وتشويه هويته الثقافية والتاريخية والحضارية.. بخصوص هذه النقطة فإن المساهمين في هذا الكتاب قد أبرزوا أفكار إدوارد سعيد التي يؤكد فيها أن الهوية التي ليست جاهزة وثابتة وجامدة وأنها ليست متمركزة عرقيا، بل هي مشروع دائم قيد الصنع دائما ومفتوح على التغيير والتحول وأحيانا تكون الهوية مهجنة أي أنها بنية متعددة العناصر ومتداخلة ثقافيا وحضاريا ومركبة على مستوى الفرد الواحد وعلى مستوى المجموعات أيضا وهي لا تخلو في الوقت نفسه من بؤر الصراع والاختلاف والتنوع.

إلى جانب هذه القضية فإن هذا الكتاب يناقش مسألة موقع وموقف المثقف الذي يريده إدوارد سعيد دنيويا: ينتصر للحياة والحرية والعدالة وأن يكون موقعه على مسافة ما من السلطة وأوهامها ومن المؤسسات التي ينبغي أن يعرفها بعمق دون أن يلزم نفسه بها ودون أن يندرج في خطابها. كما يدعو بإلحاح إلى الوقوف خارجها في آن واحد للتمكن من رؤيتها واضحة بعيون الناقد الصريح والشجاع.

15