الفلامنكو يجمع عشاق رقصة الكعب العالي من أطراف العالم

حركات نسقها العرب والإسبان والغجر وانتشرت في أميركا اللاتينية على موسيقى ممزوجة بالحزن والفرح.
الخميس 2019/11/21
سحر الفلامنكو

ليست كتب التاريخ وحدها من تحفظ الماضي، حتى الفنون تختزن تاريخ مشاعر الشعوب وتعبر عنها في الرقص والموسيقى والغناء، وحين تلتقي هذه الشعوب نكتشف لقاءها وعواطفها في الفن، فرقصة الفلامنكو التي نشأت في إسبانيا وانتشرت في أميركا اللاتينية وشمال المغرب، تعود جذورها إلى تاريخ مشترك بين العرب في الأندلس من الإسبانيين والغجر.

مدريد - تنطفئ الأضواء بينما تنعكس أشعة أفقية على أجزاء من خشبة المسرح الصغير الكائن بمنطقة “كاسا باتاس” الشهيرة باستضافة عروض رقصات الفلامنكو، وسرعان ما تضيء المصابيح ببطء في الوقت الذي ينتظر فيه المتفرجون بفارغ الصبر بدء العرض.

ويبدأ عازفو الغيتار في عزف مجموعة من الألحان ببراعة مصحوبة بتصفيق منتظم من مجموعة أخرى من الموسيقيين، وكذلك الضرب على آلة الكاجون وهي آلة موسيقية تقليدية للنقر.

عندئذ تندفع راقصة بتبختر إلى منتصف خشبة المسرح وهي ترتدي فستانا طويلا مزركشا من اللونين الأحمر والأسود مع إزار أبيض اللون، وترصع شعرها بوردة، بينما ينتصب ظهرها ويرتفع رأسها عاليا في شموخ.

وتمد الراقصة إحدى ذراعيها فوق رأسها وتبدأ في أداء عرضها الراقص، مستخدمة صاجات مشبوكة في أصابع يديها، كما تستخدم كعبي ونعلي حذائها المخصص للرقص في إحداث النغمات العالية المطلوبة عندما تحتك بأرضية المسرح.

وسرعان ما يرصد المتفرج مشاعر الحب والإثارة المطلة من عينيها، ممزوجة بالحزن والغضب والعاطفة الفياضة. ويقول المفكّر الإسباني بلاس إنفانتي إنّ الممارسات التي ارتكبها الإسبانيون تجاه المسلمين الذين هربوا من قراهم، واقترابهم من الغجر، كانت العامل المؤثّر الذي أدّى إلى ولادة هذا التراث.

وبحسب رأيه، فإنّ الموريسكيّين الذين أصبحوا بلا أرض، اندمجوا مع الغجر وأسّسوا ما يُسمّى بالفلامنكو كمظهر من مظاهر الألم الذي يشعر به الناس بعد إبادة ثقافتهم.

دقة في الحركة
دقة في الحركة 

ويجلس المتفرجون في صمت مشوب بالذهول ومأخوذين بهذا العرض، الذي تندمج فيه الموسيقى مع الرقص والأغاني لتصير شكلا فنيا متفردا وطاغيا.

ووصفت منظمة العلم والتربية والثقافة التابعة للأمم المتحدة (اليونسكو) هذه التعبيرات العاطفية التي تثيرها الآلات الموسيقية وتعبيرات الوجه والإيماءات والحركات والتألم والأصوات المبحوحة للفلامنكو، بأنها مزيج من “الحزن والفرح والأسى والابتهاج والخوف”.

وفي عام 2010 أدرجت منظمة اليونسكو رقصة الفلامنكو في قائمتها للتراث الثقافي المعنوي، ومنذ ذلك الحين تم إعلان يوم عالمي رسمي للفلامنكو للاحتفال بهذا الفن، الذي يمارس أساسا في الجنوب الإسباني، في 16 نوفمبر من كل عام.

ومن المعتقد أن أصل الفلامنكو يرجع إلى الدمج بين الموسيقى الشعبية الأندلسية وموسيقى قومية “خيتانوس” أو الروما الإسبان الذين استوطنوا في الجنوب الإسباني في القرن الخامس عشر، وتعرض أبناء هذه القومية لفترة طويلة للاضطهاد والتهميش، ولم تبدأ أحوالهم في التحسن إلا مع بداية القرن التاسع عشر، عندما كتب الملك رسائل تهدف إلى حماية البعض منهم الذين خدموا في الجيش الفلمنكي.

ويذكر أن العرب المسلمين تواجدوا في الأندلس قرابة ثمانية قرون وجلبوا معهم ألحانا ومقامات وإيقاعات وآلات وموسيقى من الشرق، وقد برع من بينهم زرياب الذي طوّر الآلات الموسيقيّة، لذلك، فإنّ الترابط بين الفلامنكو والموسيقى العربيّة ليس ترابطا عابرا، بل هو ارتباط المولود برحم الأم.

رشاقة وجاذبية
رشاقة وجاذبية 

وتنتشر رقصة الفلامنكو في المغرب، وخصوصا في المدن الشماليّة كتطوان، شفشاون، طنجة ومدن أخرى، حيث الشمال المغربي والجنوب الإسباني يتشابهان كثيرا في الثقافة والهندسة المعماريّة للمدن.

ويعتبر الباحثون أنّ طبقة الصوت والإلقاء والانفعال العاطفي تؤكد بأنّ الموريسكيّين هم الذين ابتكروا هذا النوع تضرّعا واستعطافا للكنيسة وللهرب من محاكم التفتيش التي كانت تسعى لإبادتهم، فباتت الفلامنكو تراثا مرتبطا بالكنيسة للتعبير عن الحزن على السيد المسيح.

ويرى باحثون أنّ اسم الرقصة هو نتيجة اندماج كلمتيْن عربيّتيْن هما “فلاح منكم” أو قد تكونان “فلاح منكوب”، فتحوّلتا مع الزمن إلى كلمة واحدة هي فلامنكو، كما افترضت دراسات أخرى أنّ الكلمة الشهيرة التي تستخدم أثناء الرقص وهي الـ”أوليه”، هي في الأصل كلمة عربيّة وهي كلمة “الله”. ويعتقد أن كلمة فلامنكو الإسبانية تعني “أبناء قومية الفلاندرز” التي تعيش في بلجيكا، ومع ذلك فمن الممكن أن تكون الرقصة قد تأثرت بالثقافات المغربية والأفريقية وكذلك بثقافة الشمال الإسباني.

غير أن شيئا واحدا أصبح مؤكدا، وهو أن رقصة الفلامنكو لا تزال تلقى إقبالا متزايدا بشكل مدهش اليوم، وأصبحت موازية للثقافة الإسبانية مثل مصارعة الثيران في مدينة بامبلونا ونبيذ ريوخا وحساء جازباتشو اللذين تشتهر بهما منطقة جنوب أندلوسيا.

ويتدفق كل عام عدد لا يحصى من السياح على مسارح عروض الفلامنكو الجذابة لمشاهدة هذا الفن الإسباني مباشرة، وفي مدريد على سبيل المثال توجد الكثير من المسارح التي تقدم عروضا رائعة لهذه الرقصة، يقدمها فنانون وفنانات يتمتعون بالشهرة، وحيث تقدم في بعضها للضيوف أطباق إسبانية شهية.

ووصف ميجويل بوفيدا مغني الفلامنكو فنه، قائلا إن “الفلامنكو عبارة عن موسيقى شعبية، تتمتع بأسلوب بسيط للغاية وإن كان شديد المباشرة والعمق في الوقت ذاته، للتعبير عن الحياة والمشاعر والناس”.

وأضاف “في جمل محدودة العدد فقط من خلال هذا الفن، تتم حكاية قصص رائعة والتعبير عن عالم بأكمله”.

وهذا العالم اليوم تمتزج فيه أساليب موسيقية أخرى مثل الجاز والبوليرو والتانغو المنتميين إلى أميركا اللاتينية، أو إيقاعات قادمة من منطقة الكاريبي بحيث يصبح فنا مختلفا تماما.

ومن بين نجوم الفلامنكو عازف الغيتار ذو الشهرة العالمية باكو دي لوسيا الذي توفي عام 2014.

وقبل توليه العرش ببضعة أشهر قال الأمير فيليب في تأبين لباكو دي لوسيا النجم السوبر، الذي حمل الفلامنكو الإسباني إلى العالم وأثراه بعناصر من موسيقى الجاز والبلوز، “بموسيقاه جعل من الممكن لنا أن نتخيل عالما أفضل”.

وقد يتساءل البعض عن مصدر الصوت العالي القادم من طرقات الأحذية التي ترتديها راقصات الفلامنكو.

والسر في ذلك يرجع إلى وضع كعوب ونعال خشبية خاصة مرصعة بالمسامير، وهذه هي الطريقة الوحيدة لإصدار هذا الإيقاع الذي لا تخطئه الأذن، والذي يسحر الفلامنكو به الناس ويفتنهم في مختلف أنحاء العالم.

20