الفلسطينيون في خضم التصعيد

لا يزال من حق الفلسطينيين أن يعتبروا خطاب التحدي المُرعد لإسرائيل، أفضل من أي خطاب آخر محبط، وأكثر إيلاماً لمن يؤلمهم!
الأربعاء 2019/09/04
احتواء عظائم الأمور

في التوتر الأخير، بين “حزب الله” اللبناني وإسرائيل، تقاطعت لدى الرأي العام الفلسطيني الكثير من الاعتبارات والحسابات المعقدة والملتبسة، وتضاربت في داخله شكايتان أو وجهتا نظر رئيسيتان. واحدة تميل إلى أن تتسقط للحزب اللبناني ما يدل على لاصدقية خطابه الفلسطيني، بحكم موقف مسبق يأخذ على الحزب انخراطه في حربي سوريا واليمن. وأخرى ترى فيه صوتاً مؤنساً، يوفر للمألومين من الممارسات والتعديات الإسرائيلية اليومية، تعويضاً نفسياً، تعززه سياسة التطير الإسرائيلية من إيران والموالين لها!

وجهة النظر الأخيرة هذه، تستمد بعض يقينها، من أداء الحزب العسكري في المواجهة البرية التي حدثت في جنوبي لبنان، في صيف العام 2007. وفي الحقيقة، تحمل كلٌ من وجهتي النظر الفلسطينيتين، بعض المنطق، مثلما تحمل ما يدحضها منطقياً وتؤاخذ عليه. ومن هنا ينشأ الالتباس الذي تتسم به وجهتا النظر.

الرأي العام الفلسطيني، في الداخل والخارج، منقسم حيال الموضوع السوري، علماً بأن الرأي الغالب لدى السوريين المعارضين في الخارج، هو أن الفلسطينيين انحازوا إلى النظام، وذلك قياساً على بعض وقائع الحرب في سوريا. ذلك علماً بأن هناك الكثير من الشواهد، التي تدل على أن فلسطينيي سوريا أيضاً، قد انقسموا على هذا الصعيد. فدعم جزء منهم للنظام، لا يعدو كونه شبيهاً بدعم سوريين له، وكذلك الأمر في الموقف الضد. ولا يختلف اثنان على أن من بين تداعيات النزاعات، وذمائم أحداث ما يُسمى “الربيع العربي” انقسام الناس بين راضٍ عن الذي وقع وغاضب منه.

في موضوع “حزب الله” يرى تيار عريض من فلسطينيي الداخل، أن اللغة التي يتحدث بها الأمين العام لـ”حزب الله”، حسن نصرالله، تمدهم بشيء من التعويض النفسي الذي تزداد أهميته، كلما رشحت أنباء اختراقات إسرائيلية سياسية في المشرق العربي، لا ينفيها المعنيون بها أو المنسوبة إليهم. ذلك علماً بأن منهجية السلوك الإيراني كانت ولا تزال سبباً مساعداً يجعل طهران مسهمة في تعويم العامل الإسرائيلي في السياسة الإقليمية.

في الوقت نفسه، لا تكف السياسة الإسرائيلية حيال الفلسطينيين عن رفع منسوب الغضب لديهم، كلما تعمدت إسرائيل الإيحاء بأنها حققت إنجازات على صعيد الاتصالات مع أقطار عربية، حتى وإن كان مثل هذا الإيحاء مبالغا فيه ولا يرقى إلى مستوى التفاهمات أو العلاقات في حدها الأدنى. وبالطبع، كان بنيامين نتنياهو حصراً، هو المعني بالتلميح والتصريح، كسباً للرأي العام الإسرائيلي، وطلباً لترجيح كفة مآثره على كفة ذمائمه كصاحب ملف جنائي لدى الأوساط القضائية الإسرائيلية، وفي ناظر الطيف الحزبي الذي ينافسه في إسرائيل.

كثيرة هي الأسباب التي تجعل جزءاً معتبراً من الرأي العام الفلسطيني يتغاضى عن انخراط الإيرانيين في الصراع السوري، لصالح النظام، دون الاعتراف ولو نظرياً، بأن النظام كان فاسداً ومستبداً وطائفياً ومتخلفاً.

ولعل أهم هذه الأسباب هو الوجع العاطفي من تراجع الاهتمام الرسمي العربي بالقضية الفلسطينية، ويُحسب هذا التراجع، على أساس أن التحالف العربي مع الولايات المتحدة، شهد زخماً غير مسبوق، في فترة ولاية دونالد ترامب، الذي تتطابق سياسته مع سياسة الأوساط الأكثر تطرفا، “الليكود” الإسرائيلي ومن هم على يمينه. وقد طفا في هذه الآونة، عنصر التناغم بين نتنياهو وترامب، فيما يخص الموضوع الإيراني. شيطانان متضامنان ضد الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية. ويعلم الفلسطينيون وغيرهم، أن واشنطن وتل أبيب، لن تخوضا حرباً ولو كانت محدودة، من أجل أي طرف عربي أطربه التناغم وبات يعوّل عليه.

في الوقت نفسه يرى أصحاب وجهة النظر الأخرى من الفلسطينيين، أن الإيرانيين أيضاً، ليسوا على استعداد لفتح معركة مع إسرائيل ولو محدودة. بل إن الدعم الإيراني للفصائل الفلسطينية، لا يعدو كونه إحدى وسائل السعي إلى النفوذ، على اعتبار أن هذه الفصائل نفسها، بلا تأثير يُذكر في معادلة الصراع ومقاربات النفوذ وخططها.

فالسياق العام للعبة القوى الفاعلة في سوريا والمنطقة، والمؤثرة في أحداثها، يوحي بجلاء، أن الدور الإيراني في سوريا له ضوابطه، وما التطير الإسرائيلي منه، واعتماد تل أبيب سياسة الضربات المتتالية له، إلا أمر يُنسب إلى ألاعيب نتنياهو في السياسة الداخلية ومقاصده من تضخيم الخطر الإيراني. فهو يعرف عندما يدفع إلى القصف، أن الإيرانيين لن يردوا، كما يعرف أن الطرف الروسي حاضر وهو وسيط عند الحاجة، وأساس في التفاهمات الرباعية، الأمنية والميدانية، التي تضم الروس والإيرانيين والأميركيين والإسرائيليين.

فهذه التفاهمات يقتصر هدفها حالياً، على احتواء عظائم الأمور، لكن هناك ما بعدها في ظروف مواتية بدأت تقترب.

يُضاف إلى ذلك أن نتنياهو في إصراره على الاستمرار في الضربات الموجهة للإيرانيين في سوريا، كمن يُودع في حسابه الإستراتيجي، ما يفيد لاحقاً، وقوامه أن الروس الحاضرين بقوة وكثافة على الأراضي السورية، والعازمين على البقاء لفترة طويلة لن تنتهي بغير تأمين مصالحهم في ثروات سوريا المأمولة، يريدون للإيرانيين أن يبقوا وأن يحسبوا حسبة بقائهم آمنين، توخياً لمصالحهم أيضاً، وهذه في ناظر الروس، سياسة تراكم عناصرها المساعدة على التوجه لاحقاً إلى عملية سلمية، لن يستطيع النظام الضعيف دفعها أو رفضها، بحكم كونه مديناً للروس ببقائه. عندئذٍ سيكون ما يضمره فلاديمير بوتين ربحاً استراتيجياً لإسرائيل وللإدارة الأميركية تالياً. ومن نافل القول، إن رجب طيب أردوغان سيكون من أبرز الخاسرين، من جراء رهانه في الصراع في سوريا، على الجماعات المسلحة المتطرفة، التي لا يختلف أي طرف مع الآخر، على ضرورة اجتثاثها.

إن هذا وحده، هو الذي يفسر الصمت الإسرائيلي والأميركي المشوب بالرضا، بخصوص الدور الروسي في سوريا. فتل أبيب تعرف أن الروس يتطلعون إلى اختراق روسي عجز عنه الأميركيون!

أما “حزب الله” اللبناني، فقد سجل بوضوح، وللمرة الأولى، الخطوط الإستراتيجية العريضة لسياسته العسكرية، وهذا ما ينبغي على الفلسطينيين أن يعوه. فهو، وبلسان أمين عام الحزب، ليس معنياً بالحرب مع إسرائيل، لا اليوم ولا غداً ولا بعد غدٍ. هو يلتزم الدفاع عن نفسه، وحبذا لو نجح في حال الدفاع عن نفسه، في إقناع كل لبنان، بأنه صاحب الفضل في رسم خطوط حمراء، للمرة الأولى، أمام إسرائيل، لكي تكف عن استباحتها لأجواء وطنه. فهذا يستوجب حُكماً، حصاداً لصالحه في السياسة الداخلية.

على الرغم من ذلك، لا يزال من حق الفلسطينيين أن يعتبروا خطاب التحدي المُرعد لإسرائيل، أفضل من أي خطاب آخر محبط، وأكثر إيلاماً لمن يؤلمهم!

9