الفلسطينيون في ظل التراجع الأميركي

الأربعاء 2014/03/12

هناك رغبة أميركية حقيقية في تحقيق إنجاز في الشرق الأوسط. هذا الهاجس لاحق باراك أوباما منذ ما قبل دخوله البيت الأبيض. وقتذاك، قام الرجل، وكان لا يزال مرشحا للرئاسة بجولة شرق أوسطية شملت رام الله. أكّد المرشحّ أوباما أنّه لن ينتظر الأشهر الأخيرة من ولايته الثانية والأخيرة أيضا كي يهتم بإنهاء النزاع العربي- الإسرائيلي.

كان أوباما يوجّه انتقادا مباشرا إلى سلفه جورج بوش الابن الذي لم يهتم بنزاع الشرق الأوسط إلّا عندما شارفت ولايته الثانية على نهايتها.

الآن، سيحاول باراك أوباما تسويق مشروعه في شأن التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين عندما يلتقي السيّد محمود عباس (أبو مازن) رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية في السابع عشر من الشهر الجاري.

قبل أيّام، استقبل أوباما في البيت الأبيض رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو. كان اللقاء ودّيا، في الظاهر. ولكن في العمق، كان هناك نوع من الاحتقان والتوتر. يعود ذلك إلى أن الرئيس الأميركي لم يخف، منذ توليه السلطة قبل ما يزيد عن خمس سنوات، أنّه يعترض على سياسة الاستيطان في الضفة الغربية.

مهّد أوباما للقائه بنتانياهو بحديث أدلى به إلى الصحافي والكاتب جيفري غولدبرغ من “بلومبرغ فيو”، حذرّ فيه اسرائيل من أنّ الوقت ينفد بالنسبة إلى التوصل إلى اتفاق بينها وبين الفلسطينيين. وقال أنه إذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي يعتقد أن ليس في الإمكان عقد صفقة سلام مع الفلسطينيين، سيتوجب عليه “التحرك والخروج بمقاربة بديلة”. هل من مقاربة بديلة من حلّ الدولتين باستثناء الرغبة في تكريس الاحتلال إلى ما لا نهاية؟

هل من احتلال صمد إلى ما لا نهاية في مواجهة شعب لا يريد سوى ممارسة حقوقه الوطنية على أرضه التاريخية، بل على جزء من هذه الأرض التاريخية مثله مثل أي شعب في العالم؟

سمّم الكلام الصادر عن أوباما الأجواء بين الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي. صحيح أنّ ذلك لم يظهر علنا في لقاء البيت الأبيض، لكنّ الصحيح أيضا أنّه كان ملفتا أنّ نتانياهو سعى إلى تجاهل أوباما قدر الإمكان في تصريحاته العلنية، وركّز في المقابل على الإشادة بوزير الخارجية جون كيري وبمواقفه.

الأكيد أن تجربة “حماس” في غزة ساعدت الإسرائيليين كثيرا، خصوصا أن الحركة التي استولت على القطاع بعد سنتين من انسحاب اسرائيل بشكل كامل منه، عملت كلّ ما تستطيع من أجل دعم وجهة النظر القائلة أن لا وجود لشريك فلسطيني يمكن التفاوض معه. فبدل أن تؤكد “حماس”، بالملموس وعبر الممارسات اليومية، أن الفلسطينيين يريدون السلام وأن كلّ ما يسعون إليه هو الانتهاء من الاحتلال، راحت تتحدّث عن “المقاومة” و”الممانعة”. راحت تطلق الشعارات المضحكة- المبكية من نوع أن صواريخها يمكن أن تحرّر فلسطين كلّها، من البحر إلى النهر ومن النهر إلى البحر، لا فارق…

لماذا يراهن نتانياهو على كيري وأفكاره التي لم يطرحها بعد، والتي يمكن أن تشكل مشروعا متكاملا على غرار المشروع- الإطار الذي طرحه الرئيس السابق بيل كلينتون في نهاية ولايته الثانية أواخر العام 2000؟

يعود رهان نتانياهو على كيري إلى أنه يراهن على الوقت. إنه تلميذ نجيب لاسحاق شامير رئيس الوزراء الاسرائيلي الراحل الذي ذهب إلى مؤتمر مدريد في خريف العام 1991 ليقول أن استراتيجيته قائمة على التفاوض من أجل التفاوض. كلّ هدف نتانياهو في السنة 2014 هو التفاوض من أجل التفاوض، في وقت ليس أمام الجانب الفلسطيني غير التفاوض حتى لا يقال أنه الطرف الذي خذل الأميركيين.

كان اسحاق شامير يعمل بكل بساطة على خلق واقع جديد على الأرض. لم يحد بيبي نتانياهو عن هذا الخط قيد أنملة. كلّ ما يريده هو كسب الوقت من أجل احتلال أكبر مساحة ممكنة من الضفة الغربية وتطويق القدس الشرقية المفترض أن تكون عاصمة الدولة الفلسطينية المستقلّة.

باتت معروفة الخطوط العريضة لمشروع كيري. إنه تراجع عن المشروع- الإطار لكلينتون والذي أخطأ ياسر عرفات، رحمه الله، عندما لم يعلن قبوله له. مشروع كيري يشكل تراجعا، خصوصا أنه أقلّ إصرارا على مرجعية حدود 1967، إضافة إلى أنه لا يتطرق إلى حق العودة ولو بشكل رمزي كما كانت عليه الحال في مشروع الـ2000 الذي دعا اسرائيل إلى السماح بعودة نحو مئتي ألف لاجئ، معظمهم من لبنان.

أما بالنسبة إلى القدس، فإن كيري يتحدّث عن عاصمة لدولة فلسطين “في القدس” وليس عن القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية. أي أن الوجود الرسمي الفلسطيني في القدس الشرقية يمكن أن يقتصر على شارع أو شارعين. ربّما أكثر وربّما أقل.

هناك قضية يهودية دولة اسرائيل التي يرفضها الجانب الفلسطيني، وهناك تفكيك لمستوطنات مرتبط بالسلوك الفلسطيني الذي سيكون تحت مراقبة مشتركة أميركية- إسرائيلية. وهناك الوجود العسكري في غور الأردن الذي تصرّ عليه اسرائيل والذي لا يعترض عليه وزير الخارجية الأميركي تماما. مثل هذا الوجود لم يكن مطروحا لدى كلينتون الذي تحدث مشروعه عن تفكيك مستوطنات خلال ستة وثلاثين شهرا، بما في ذلك مستوطنات في الخليل.

لا خيار أمام الجانب الفلسطيني سوى متابعة التفاوض على الرغم من أن مشروع كيري يتضمن ثغرات. يبقى لديه أمل وحيد يتمثّل في إقدام أوباما على خطوة دراماتيكية تجاه إسرائيل يفرض من خلالها قيام دولة فلسطينية “قابلة للحياة” فعلا عاصمتها القدس الشرقية. هل يستطيع الدخول في مثل هذه المواجهة مع بيبي نتانياهو، وأن يقول له أن الاحتلال اسمه الاحتلال ولا اسم آخر له؟

من الصعب الرهان على أوباما الذي عوّدنا على إطلاق التهديدات وتحديد الخطوط الحمر.. ثمّ التراجع. ربّما كان على الفلسطينيين قبول ما طرحه كلينتون سنة 2000، مثلما كان عليهم قبول مشروع روجرز سنة 1970 وذلك حتى لا يقال إنهم يفوتون أية فرصة تسنح أمامهم.

إعلامي لبناني

8