الفلسفة طريق جامعة القاهرة لتحصين طلابها فكريا

التفكير النقدي يعد أحد المناهج الفلسفية التي تخاطب عقول الطلاب، ويصنف علميا على أنه من أهم الأدوات الفاعلة في مواجهة تمدد الأفكار المتطرفة.
الثلاثاء 2018/03/13
تجربة رائدة

القاهرة - وضعت جامعة القاهرة خطة لتطوير فلسفتها التعليمية أخيرا، تقوم على تدريس التفكير النقدي لجميع المراحل التعليمية داخل الجامعة، بدءا من العام المقبل، كمقدمة لتغيير المناهج وأساليب التقويم بحيث تعتمد على المناقشة والتحليل.

وربما تساعد الخلفية العلمية لرئيس الجامعة محمد عثمان الخُشت، الذي عمل من قبل رئيسا لقسم الفلسفة بكلية الآداب، على تطبيق استخدام الفلسفة والمنطق في تنوير عقول الطلاب، بعد أن نظم العديد من الدورات التدريبية بالجامعة لتطوير أسلوب التدريس والتحول من الحفظ إلى أسلوب يعزز التفكير النقدي.

وألف الخُشت 57 كتابا في مجالات مختلفة أبرزها الفلسفة، ودار منهجها العلمي حول ضرورة تبني العقلانية الناقدة كوسيلة للتفكير والبحث، وهو معروف أنه يجمع بين العقلانية والروحانية معا في رؤيته الفلسفية.

وهذه هي المرة الأولى التي تفكر فيها جامعة مصرية بتدريس مادة فلسفية متخصصة لجميع الطلاب، وهي من الخطوات الجادة التي من الممكن أن تحدث خرقا للمنظومة التعليمية التقليدية التي كانت تهمل العلوم الفلسفية والاجتماعية لتطوير عقول الطلاب.

وقال عبدالله التطاوي، المستشار الثقافي لرئيس جامعة القاهرة، إن تدريس الفكر النقدي يأتي ضمن خطة تحويل الجامعة إلى ما يسمّى بمركز أكاديمي من “الجيل الثالث” يرعى البحث في التقنيات المبتكرة والنمو الاقتصادي، وهو ما يتناقض مع طريقة النظر إليها في الماضي باعتبارها مركزا تدريبيا لموظفي الحكومة في المستقبل.

تأخذ مواجهة الأفكار المتطرفة عبر المناهج التعليمية داخل الجامعات حيّزا هاما في المناقشات التي تشهدها الساحة التعليمية والثقافية في مصر بالتزامن مع سعي دؤوب للدولة يهدف إلى خلق جدار عازل يفصل طلاب الجامعات والمدارس عن كل ما هو مغال في الأساليب المتشددة والخارجة عن المسار السليم لتكوينهم

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، نطمح في أن نخرج طالبا مثقفا قادرا على النقد والتحليل ومناقشة المشكلات والبحث عن حلول علمية قابلة للتطبيق في مقابل التفكير العشوائي المرتجل الذي يعتمد على استقبال المعلومة والحفظ والاستظهار وتفريغ المعلومات.

وأقر مجلس جامعة القاهرة تدريس المادة، وأعلنت الجامعة عن مسابقة لتأليف المنهج الخاص بها، على أن يُعتمد تدريسها بشكل نهائي من المجلس الأعلى للجامعات، المختص في وضع الخارطة التعليمية داخل الجامعات، عقب الانتهاء من تأليف المادة وعرضها عليه.

وأشار التطاوي إلى أن المادة سوف يتم تدريسها في الجامعات المصرية الأخرى العام القادم حين يقرر المجلس ذلك، لافتا إلى أن تدريسها سيكون إلكترونيا لطلاب جامعة القاهرة على أن تتاح لجميع التخصصات وجميع المراحل التعليمية واجتيازها سيكون شرطا أساسيا للحصول على الشهادة الجامعية.

ويعد التفكير النقدي أحد المناهج الفلسفية التي تخاطب عقول الطلاب، ويصنف علميا على أنه من أهم الأدوات الفاعلة في مواجهة تمدد الأفكار المتطرفة والتي تتغذى على العقول المغلقة، ويعتبره الكثير من المهتمين بشؤون مكافحة الإرهاب وسيلة أساسية لتأسيس العقل النقدي الذي يفسر ما يطرح أمامه من أفكار، فيما يساعد التفكير النقدي في المقابل في تصعيب المهمة على التنظيمات الإرهابية في جذب الشباب إليها.

وتشتد الحاجة إلى تكوين العقل النقدي بعد ثورة المعلومات التي أدت التي تدفق في كل المجالات المعرفية، ما يستدعي تكوين عقل نقدي، ويستوجب أهمية تصنيف فيض المعلومات للتفرقة بين الصحيح والزائف والمتحيز والموضوعي.

وتحاول مؤسسات تعليمية في مصر أن تخرج من أزمة الفراغ الفكري الذي يتسبب فيه المناهج الدراسية القائمة على الحفظ والتلقين والانتقال إلى إعمال العقل الذي لا يسمح بأن تصب في ذهنه معلومات خرافية أو غير صحيحة وتجعله يفكر أكثر من مرة في ما يستقبل من هذه الأفكار.

ويمثل عدم ترك الطلاب فريسة للفكر المتشدد والانتماء لبعض الجماعات المتطرفة، مدخلا رئيسيا للإصلاح وتقليم أظافر الجماعات الإرهابية التي نجحت في بعض القرى التي تعاني فقرا وجهلا في تجنيد أعداد كبيرة من الشباب المتعلم.

ويرى خبراء أن التعليم السلبي الذي يعتمد على قياس ذاكرة الطالب بدلا من إعمال عقله، هو أحد الأساليب المغذية للإرهاب، لأن ذلك يساهم في استقبال الأفكار المتطرفة من دون أن يكون هناك إعمال جيد للعقل لتفنيدها، ما يولد عقلا مغلقا تسهل السيطرة عليه وتحويله إلى مصدر للعنف.

وأكد عصام جميل، أستاذ المنطق والتفكير العلمي بجامعة القاهرة، أن تدريس تلك المادة من الأسلحة الفعالة ضد التطرف والتعصّب الفكري، فهي تعمل على تنمية ملكة التفكير الصحيح أو النقص في كافة المجالات العلمية والأدبية والسياسية.

وأضاف لـ”العرب” أن جميع صور التطرف الفكري والتعصب تقوم في أساسها على حجج واهية ضعيفة أو فاسدة، كما أنها تتخذ الأقوال المشهورة والحيل الخطابية والأحكام السائدة كأمور مسلم بها ضد أي نقاش.

ويساعد التفكير النقدي على تعلم مجموعة من المهارات، منها استخدام الأدلة بمهارة ونزاهة والتمييز بين الاستدلالات المنطقية الصادقة والزائفة، والتعرف على ما في آراء الآخرين من خدع ومغالطات.

عدم وجود استراتيجية تعليمية متكاملة بين وزارة التربية والتعليم، وهي مختصة بشؤون التعليم قبل الجامعي، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وهي تشرف على التعليم الجامعي، سوف يؤثر سلبا على إيمان الطلاب بأهمية تغيير طرق التفكير المعرفية

لكن تحقيق فاعلية تدريس التفكير النقدي يصطدم بجملة من المشكلات، مثل تطبيق المادة في ظل عدم تغيير فلسفة المناهج بشكل عام، لأن تدريب طلاب الجامعة على الاستذكار منذ الصغر يصّعب مهمة استفادتهم الفكرية من تدريس المادة الجديدة، وهو ما يرتبط بأساليب التقويم التي تشجع على الأمر ذاته، وبالتالي فتطبيق المادة بشكل إلكتروني قد لا يحقق المرجو منه.

كما أن عدم وجود استراتيجية تعليمية متكاملة بين وزارة التربية والتعليم، وهي مختصة بشؤون التعليم قبل الجامعي، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وهي تشرف على التعليم الجامعي، سوف يؤثر سلبا على إيمان الطلاب بأهمية تغيير طرق التفكير المعرفية.

وأشارت مصادر حكومية بوزارة التربية والتعليم لـ”العرب” إلى أن النظام التعليمي الجديد سوف يتم تطبيقه على طلاب رياض الأطفال والصف الأول الابتدائي العام الدراسي المقبل، ويستهدف تغيير فلسفة التعليم المصري والتركيز على الجانب العقلي للطلاب حتى المرحلة الجامعية.

وتستعد بعض الجامعات المصرية لعقد مؤتمر دولي نهاية شهر مارس الجاري بعنوان “دور الجامعة في مواجهة التطرف الفكري” تشارك فيه جامعة العريش بمنطقة شمال سيناء.

وقال كمال مغيث، الخبير التربوي المصري، إن مواجهة الأفكار المتطرفة من خلال التعليم ينبغي أن تبدأ من صياغة مناهج تعليمية تهتم بالهوية الثقافية للدولة وترتقي بفكرة المواطنة، والتي حدث لها تجريف مقصود من قبل جماعات متشددة سيطرت على مفاصل التعليم المصري منذ ثمانينات القرن الماضي.

وأضاف لـ”العرب” أن تأليف المناهج المصرية في جميع المجالات أضحى بيد أساتذة ومدرسين تأثروا بأفكار متشددة سادت خلال فترة التسعينات وبداية الألفية الجديدة، ما أفرز المناهج الحالية البعيدة عن أعمال العقل، بل تؤدي إلى زيادة النعرات الطائفية أحيانا من خلال اهتمامها بفئة على حساب أخرى.

17