الفلسفة في يومها العالمي

الإنسان يزعم في الغالب أنه يفكر بشكل طبيعي، ولكن التفكير، كسائر الأنشطة المعتادة كالمشي والجري والسباحة، يستوجب مراسا ودربة، ودور الفلسفة أن تجعل ذلك التفكير منهجيا.
الخميس 2018/11/15
للفلسفة وجهين، حب الحكمة، والبحث عن الحقيقة (لوحة: كمالا اسحق)

في مثل هذا اليوم من كل عام، تحتفل اليونسكو باليوم العالمي للفلسفة، تأكيدا على قيمتها في تطور الفكر الإنساني، ودورها في مساعدة الفرد على فهم الواقع، وتطوير رؤيته للعالم، ومنح الحياة التي يحياها والعمل الذي يأتيه معنى. وفي كل عام يعاد الحديث عن جدوى الفلسفة في عالم باتت تحكمه التكنولوجيات المذهلة، وتعبث بمصائر سكانه العولمة والليبرالية المتوحشة، ويسوقه “تسارع في الزمن”، بعبارة الفيلسوف الألماني هارتموت روزا، لا يترك للإنسان فسحة للتأمل.

نعلم أن للفلسفة وجهين، حب الحكمة، والبحث عن الحقيقة، ما يجعلها مادة “فضولية” لا تقنع بالظاهر، بل تريد أن تنفذ إلى ما وراءه، لتعرف كنه الأشياء في شتى المجالات وعلة وجودها، لأنها في جوهرها بحث يفكك قناعاتنا، ليؤسس معرفتنا بواقعنا ومكوناته وتجلياته على نحو أفضل. فهي لا تهتم مباشرة بالأشياء الملموسة، بل تطرح استدلالا منطقيا يضع الخطاب موضع مساءلة، وتسعى إلى تحليل شروط إمكانية إدراك الذهن لما هو حق. وبذلك تخدم الفلسفة المعرفة بوصفها منهجية تحليل ومساءلة تهدف دائما إلى بلوغ ما هو حق.

والإنسان يزعم في الغالب أنه يفكر بشكل طبيعي، ولكن التفكير، كسائر الأنشطة المعتادة كالمشي والجري والسباحة، يستوجب مراسا ودربة، ودور الفلسفة أن تجعل ذلك التفكير منهجيا، لأن الفلسفة في النهاية تسمح بتفتح الفكر، حتى يكون الفرد قادرا على هيكلة الأشياء هيكلة عقلانية، وامتلاك نوع من الاستقلالية في تبني هذا الموقف أو ذاك دون خضوع لآراء الآخرين، ومهيَّأ لفهم أسباب تبنيه فكرة دون أخرى. وذلك هو الوعي النقدي الذي تسهم الفلسفة في تنميته حتى لا يكتفي الفرد بتخير أفكار وقيم محددة، بل يعرف أيضا لماذا اختارها دون سواها.

ولو بحثنا عن جدوى الفلسفة في هذا العالم المتحول ذي الإيقاع الرهيب، لقلنا إنها ضرورية اليوم أكثر من أي وقت مضى، لأنها تهتم بمستقبل ما أعدته العلوم.

 يصحّ هذا على البيولوجيا مثلما يصحّ على التكنولوجيا حيث التحول فيهما جذريّ. ولمّا كان العالِم في الغالب لا يهتم بالقيم قدر اهتمامه بمبتكراته، ولا ينصحنا بما نفعل أو نتجنب، فإن مهمة الفلسفة أن تعمل على صنع ما يسميه فوكو “بيوسلطة”، ومثلها “بيوتأمل”، كي نعرف ما يجوز وما لا يجوز، فالحذر في الفلسفة قائم في مجال الحياة، وقائم أيضا في مجال المادية الصرف. ومن ثَمّ فإن من أوكد مهام الفيلسوف أن يأخذ بعين الاعتبار نتائج المبتكرات والتحولات، لخلق مستقبل أفضل، في نطاق احترام القيم الأساسية.

15
مقالات ذات صلة