الفلسفة وأشياء أخرى

السبت 2016/10/22

يبدو مسار الثقافة المغربية، ولعله نفس الحال بالنسبة إلى الثقافة العربية بمختلف مكوناتها، أشبهَ بكرة ثلج تتراكم أسئلتها المعلقة مع توالي العقود. أسئلة قد تجد جوابهَا في البذرة الأولى للكرة تلك. علاقتُنا بالفلسفة نموذجٌ لذلك. وهي علاقة متوترة بامتياز. فالتأريخ للإنتاج الفلسفي في المغرب يقف كثيرا عند ما سُمي بمسلسل منع الفلسفة، مُرجعا محطاته الأولى إلى حذف مواد الفلسفة من الشعب الاقتصادية في بداية سبعينات القرن الماضي وقرار منع تدريسها في بداية الثمانينات، قبل أن يتم التراجع عنه في ما بعد، وهو نفس المنع الذي عرفته مجموعة من الدول العربية.

الوقوفُ عند التاريخين لا يخلو من اختزال. وأظن أن فهم منطق هذا المنع يقتضي العودة إلى قرون قبل ذلك. فقد كان تدريس الفلسفة يتم، على سبيل المثال، خلال عهد الموحدين، في مجالس مستترة، كما هو الأمر بالنسبة إلى مجلس الحفيد أبي بكر بن زهر. وبعد قرون من ذلك، اتخذ الأمر شكلا مختلفا.

ففي سنة 1788 صدر مرسوم للسلطان محمد بن عبدالله موجه إلى المدرسين بجامعة القرويين، يخص إصلاحَ برامجها التدريسية. ومما جاء فيه “ومَن أراد أن يخوضَ في علم الكلام والمنطق وعلوم الفلاسفة وكتب غُلاة الصوفية وكتب القَصص فليتعاطى ذلك في داره مع أصحابه الذين لا يَدرُون بأنهم لا يدرون، ومن تعاطى ما ذكرْنا في المساجد ونَالتْهُ عقوبةٌ فلا يلومَنَّ إلا نفسَه”.

وكرست طبيعةُ برامج التعليم هذا الأمر، سواء في جامعة القرويين بمدينة فاس، أو في غيرها من المراكز التعليمية بالمدن الأخرى. وقد اتسمتْ بغياب تدريس الفلسفة وعلم المنطق وعلم الكلام. وشكل ذلك امتدادا للتمثل التقليدي الذي حرص على تدجين اهتمامات هذه العلوم، وخصوصا منها علم الكلام، بشكل جعل منها، كما وصفها المختار السوسي، ملازمة للعقائد ولتصحيحها. كما كان الأمر تكريسا للسياق الذهني السائد الذي كان ينتصر لبنية ثقافية دينية كانت تبحثُ باستمرار عن توحدها المذهبي أساسا.

وكان من علامات هذه العلاقة المتوترة انحصار الاهتمام بهذه العلوم في مؤلفات أغلبها شروحات وحواش ومنظومات وأراجيز. وخلال قرن بكامله، وهو القرن الخامس عشر الميلادي، لم يظهر أي مؤلف في علم المنطق. بينما سيُطبع أول كتاب في الفلسفة سنة 1948، وهو “الفلسفة والأخلاق عند ابن الخطيب” لعبدالعزيز بن عبدالله، وذلك بعد أكثر من ثمانين سنة على ظهور الطباعة في المغرب.

والذي حدث بعد ذلك أننا سجنا الفلسفة داخل مدرجات الجامعة ولم نمنح لها أن تكون بيننا صوتا للتفكير والتركيب. والنتيجة أن لدينا الآن نخبة ثقافية مازال العديد منها يعيش على إيقاع قضايا وأفكار وخطاب القرن الماضي، في الوقت الذي يدخل فيه الكون مرحلة لا يعرف مآلها إلا العلي القدير؟

كاتب من المغرب

17