الفلسفة والقهوة

الخميس 2016/08/11

ما الفلسفة؟ سؤال قد يبدو غريبا بعد قرون من النظر الفلسفي تناول فيها أهل الذكر على مرّ العصور المسألة من كل جوانبها، لو لم تطرحه مجلة متخصصة هي “فلسفة” الفرنسية، حيث دعت، بمناسبة احتفالها بعددها المئوي، ثلة من المفكرين من بينهم مارسيل كونش وألان باديو وميشيل سير ومارسيل غوشيه وكليمان روسيه وريمي براغ وسليمان بشير دياغن، إلى تسليط الضوء على بعض المحاور للإحاطة بماهية الفلسفة ومراميها: هل الفلسفة مادة نظرية أم تطبيقية؟ هل هي بحث عن الحكمة أم نمط حياة يتوق إلى السعادة؟ هل طرحت منذ العصور القديمة قضايا جديدة كطبيعة الوعي أو الذكاء الاصطناعي؟ هل الفلسفة صديقة الدين أم عدوّته؟

تعلمنا أن الفسلفة بمفهومها اليوناني هي البحث عن الحكمة، ولكن الفيلسوف يمكن أن يقضي عمرا بأكمله في البحث عنها دون أن يدعي حيازتها. هذا مثلا مارسيل كونش، وقد جاوز التسعين، يقول “من جهة، أنا لست حكيما ما دام الحكيم هو من يعرف، فيما أنا أريد أن أعرف. ومن جهة ثانية أنا حكيم بما أني، كما يقول سقراط، أعرف أني لا أعرف، بخلاف الأخرق الذي يظن أنه يعرف في حين أنه لا يعرف”.

قد يتباهي البعض من الفلاسفة المحدثين بعدد الدروس التي ألقوها والكتب التي ألفوها، ويفخرون بفتوحاتهم في فهم الكون وظواهره والمجتمع وآلياته، ومقاربة الوجود الإنساني في علاقته بالطبيعة والآلهة، وابتكارهم مفاهيم ومصطلحات وأدوات منهجية لتغيير العالم أو الإقامة فيه وقبول قوانينه والبحث في إطاره عن السعادة، ولكن أعظم فيلسوف على مرّ التاريخ، ونعني به سقراط، لم يُلق درسا ولا ألّف كتبا، بل كان يتوجه إلى من يصادفهم في الشارع، من كل الفئات، ليحاورهم ويدخل الشك في قناعاتهم، دون أن يدعي معرفة، بل كان يعترف بأنه أكثر جهلا منهم.

ذلك أنّ من خصائص الفلسفة وضع المعارف الأكثر رسوخا وتأصّلا موضع شكّ، والدهشة أمام المسائل التي يُخيَّل أنها في عداد البديهيات، دون تقديم إجابة استبدال. فالفلسفة، مثل سقراط، تسائل بحرية كل ما يزعم الناس معرفته، وترتاب من الماسكين بالسلطة والثوريين المحترفين، من الكلبيّين ومدّعي الحقيقة المطلقة. فهي تزعج وتخلخل اليقينيات وتنشّط الذهن وتُجدّد الفكرَ فينا.

ولعل أطرف تعريف للفلسفة ما كتبه ألكسندر لاكروا في افتتاحيته من كونها قهوةً تكون المفاهيم فيها هي مادة الكافيين، والأسلوبُ السّكّرَ، والتأويلُ الملعقةَ، والكتابُ الفنجانَ. فالفلسفة في تصوره كالقهوة، تُذهب النوم عن الفرد، وتأثيرها الوجودي يكمن في قيمة اليقظة التي تولّدها.

كاتب من تونس مقيم في باريس

15