الفلسفة والموت والديمقراطية

الاثنين 2013/12/16

إيفرين يالوم، طبيب ومحلل نفساني أميركي اشتهر بتوظيف الفلسفة في جلسات العلاج النّفسي. وهو يعتبر الفلسفة رهاناً علاجياً لمن يعانون من أعراض الخوف من الموت، ومن ثم الخوف من كل ما يرتبط رمزياً بالموت من قبيل المرض والشيخوخة والاستقالة والإفلاس إلخ. وقد اعتاد هذا الطبيب مواساة مرضاه المقبلين على تجربة الموت بجلسات “ذكر” ينهل خلالها من معين تاريخ الفلسفة منذ الرواقية والأبيقورية حتى شوبنهاور ونيتشه وغيرهما.

رُبّ معترض يظنّ أنّ وظيفة الفلسفة أن تعلمنا الحياة وحسب، وأن تعلمنا كيف نُرجح في عيشنا كفّة الخيارات العقلانية فنقلص ما أمكننا ذلك من دور الصدفة والقدر والحظ والتكرار. وطالما لا نستطيع أن نخلّص الموت من عوامل القدر والصدفة فمن الحكمة أن ندعه جانباً وننساه.

لكن، هل بوسعنا أن نكون عقلانيين في مواجهة الحياة إذا لم نكن عقلانيين في مواجهة الموت والذي هو الأفق الحتمي لكل حياة؟ هل بوسعنا أن نكون عقلانيين إذا لم نكن عقلانيين أيضاً في مواجهة الأفعال التي تحيل إلى الموت من قبيل الشيخوخة والإعاقة والطلاق والتقاعد والاستقالة وفقد الأحبة وأفول الأوقات السعيدة؟

أمامنا مهمّة لم ننجزها كما ينبغي، أن نحرر الموت من المخاوف اللاعقلانية المحيطة به جرّاء عشرين قرنا من “الأخرويات” المسيحية، وأربعة عشر قرنا من عذاب القبر في الثقافة الإسلامية، وأن ننتج بدل ذلك خطاباً يعلمنا ليس فقط تقبّل عرضية الحياة كمعطى أصيل، وإنما يساعدنا على أن نتعلم من عرضية الحياة أيضاً أموراً مفيدة: أن نتواضع أمام نسبيّة الحقائق وتقلّب الأحوال، وأن نتقبل انسحابنا حين يكون علينا أن نغادر، لا فقط الحياة وإنما أيضاً الكرسي السلطة والزّعامة وربّما الأبناء والأحبّة والحياة. أكثر من ذلك، ننتظر خطاباً في الفكر والدين والفن والأدب يعلمنا أن نستمتع بمشهد الوجود وهو في حالة انسحاب تماما مثلما نستمتع بمشاهدة البساتين والمروج عبر نافذة القطار المتحرك وهي في حالة انسحاب. وصدقا، بوسع كل واحد منّا أن يشعر بهذا، لا تكون المتعة متعة بليغة إلا بقدر ما تكون عرضية وعابرة مثل القبلة المسروقة داخل المصعد الآلي. إنها بلاغة المتعة.

أليست الديمقراطية في خلفيتها الوجودية، ثمرة من ثمرات القدرة على الاستمتاع بالوجود العرضي، ومن ثمة المصالحة مع مبدأ التداول أو التناوب في الحياة وفي السلطة وفي الرّأي والرّؤية، حيث (تلك الأيام نداولها بين الناس)؟ ألا يبدو بيل كلينتون الآن أكثر استمتاعاً بحياة ما بعد “فقد” السلطة من أولئك الذين كل همهم ومبلغ علمهم أن يعضوا بالنواجذ على مقاليد حكم البلد.. إلى الأبد؟

أليست الأنانية والتعصب والتسلط والطغيان ونهم الثروة والتمسك بالمنصب وبالزعامة وبالسلطة مجرّد مظاهر متنوعة للخوف المرضي من الموت، وهو ذات المرض المزمن الذي قد يقود الحاكم والحاكمين بأمره إلى التضحية بنصف الشعب أو تقسيم البلد لقاء التمسك بقشّة السلطة؟

لهذا السبب أفهم لماذا يصرّ الفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا في إحدى حواراته الأخيرة قبيل وفاته، على القول: إن وظيفة الفلسفة اليوم أن تعلمنا كيف نموت.

وهي دعوى تحيلنا إلى تقليد فلسفي عريق تعرّض للتهميش، تقليد يعود إلى سقراط والرواقيين والأبيقوريين مروراً بشيشرون ومونتنيه، ويجعل من بين الوظائف الأساسية للفلسفة تنمية قدرة الإنسان على تقبل تجربة الموت كمعطى إنساني طبيعي وحياتي، من دون وساوس مرضية ومخاوف هذيانية قد تنتج اختلالات سلوكية واجتماعية وسياسية.

يقول هيدغر: الإنسان كائن من أجل الموت. وهذا كل ما في الأمر. لكن أبيقور قال حكمته الشهيرة: "الموت لا يعني شيئاً؛ حين نكون لا يكون، وحين يكون لا نكون".

كاتب مغربي

8