الفلفل الحار يطرد شبح البطالة عن الفقيرات في القيروان

تناضل النساء في الأرياف والقرى التونسية من أجل لقمة العيش، فيمتهنّ الفلاحة وصناعة الخبز والنسيج وغيرها من الحرف التي تجعل المرأة عنصرا فاعلا في إعالة الأسرة إضافة إلى الشؤون المنزلية وتربية الأطفال، وفي إحدى المدن الصغيرة بمحافظة القيروان، اختارت مجموعة من النساء بعث مشروع لصناعة الهريسة الحارة وتسويقها وربما أيضا تصديرها، بإمكانيات قليلة وأحلام كبيرة.
السبت 2016/04/16
"مذاق حار" لبحث المرأة عن استقلالها

القيروان- وسط فناء منزلها المظلل بشجرة التوت جلست فاطمة شيلة أربعينية تعالج حبات الفلفل الأحمر المجفف تحت أشعة الشمس، بأصابع أخفتها القفازات الصفراء، لتزيل منه بذوره وتقلبه وتقص الشوائب قبل وضعه في الإناء. وبين الفينة والأخرى توجه نظراتها إلى ابنها كأنها تراقبه.

ولا تجهز فاطمة أكلة عائلية بل هي تنفذ واجبا مهنيا ضمن بادرة اقتصادية اجتماعية غير مسبوقة في تونس، لمجابهة تزايد نسب البطالة والفقر، بطلاتها 164 امرأة من محافظة القيروان (وسط)، تتمثل في شركة تعاونية تعمل على تحويل الفلفل الأحمر الوافر إلى معجون غذائي تقليدي يسمى “الهريسة الحارة” بمواصفات موروثة عن الأجداد.

ومن خلال هذا العمل لم تعد فاطمة تضطر لترك منزلها باتجاه الضيعات الفلاحية البعيدة من أجل أجر زهيد لقاء يوم عمل شاق، تحت أشعة الشمس بعيدا عن أطفالها.

وأصبحت فاطمة تجني من عملها الجديد 10 دنانير (5 دولارات) في اليوم، وبين 100 و200 دينار (50 و100 دولار) في الشهر. ورغم كونه ظرفيا فإنها أصبحت أكثر راحة وهي تجمع بين توفير دخل إضافي للعائلة ورعاية شؤون بيتها.

وتقوم حوالي 50 امرأة بنفس العمل الذي تقوم به فاطمة في المشروع، أما باقي النسوة فيشتغلن في تحويل الفلفل الأحمر الجاف إلى “هريسة” معلبة (معجون غذائي) بشكل أنيق موجهة للاستهلاك المحلي وللتصدير.

تعاونية "التحدي" النسائية تضم فئات عمرية مختلفة، ومن مستويات تعليمية مختلفة

وتضم “التعاونية” النسائية فئات عمرية مختلفة بين العقد الثالث والسادس ومن مستويات تعليمية مختلفة، منهن خريجات جامعات وعاملات فلاحة وموظفات. وانخرطت النساء في التعاونية، التي اخترن لها اسم “التحدي”، بشراء أسهم بـ10 دنانير (5 دولارات) للسهم الواحد.

ويظل القاسم المشرك بين جميع النسوة أنهن من منطقة منزل المهيري (40 كلم غرب مدينة القيروان) التي تشتهر بإنتاج الفلفل والثوم. وجميعهن اشتغلن أجيرات في الضيعات الفلاحية ثم أحالتهن بسبب الظروف الاقتصادية على البطالة والأهم بالنسبة إلى مشروعهن الجديد هو إتقانهن لصناعة الهريسة التقليدية في منازلهن.

ويمر الفلفل المجفف بمراحل عديدة قبل الخروج في علب أنيقة، تبدأ العملية بتنظيف كمية الفلفل الجاف المعدة للرحي بالماء في أوان متوسطة الحجم، ومع اقتراب ماء القدر من الغليان توضع كمية الفلفل وتترك دقائق محددة ثم ترشح في إناء ثان، ثم يمر الفريق إلى رحي الفلفل في آلة مخصصة لمرحلتين مع مزج الفلفل بحبات الثوم المنتقاة والتوابل وزيت الزيتون.

وقبل وضع الخليط الأحمر الشهي في علب زجاجية، هناك عملية تعقيم العلب عبر وضعها في الماء المغلي، ثم بعد تجفيفها يتم وضع الكمية المحددة من الفلفل وتعاد الكرة بعد غلق العلبة وفي الأخير يتم وضع الملصقات الإشهارية ووضع الكميات المطلوبة في علب كرتونية ثم توجه إلى التوزيع.

وتقول إكرام الجملي، مديرة التسويق والمحاسبة بتعاونية “التحدي”، “هدفنا حاليا إيجاد فرص عمل للعشرات من النسوة أكثر من الربح المادي”. وإكرام هي شابة تخرجت سنة 2012 اشتغلت في مجال الفلاحة ثم انقطعت لأن “العمل غير مستقر والمرتب ضعيف” كما تقول، أن طموحها بتغيير وضعها الاجتماعي كان كبيرا وكذلك تغيير واقع منطقتها التي تشكو من غياب مؤسسات مشغلة.

وتتابع إكرام “في البداية، سنة 2013، لم يصدق الناس كيف يمكن لـ164 امرأة النجاح في المشروع، ولكن بعد سنوات من الصبر والتطوع الممزوج بضغوط المجتمع تحسنت الظروف”.

تعاونية "التحدي" هدفها إيجاد فرص عمل للعشرات من النسوة أكثر من الربح المادي

وأضافت “لقد أثرت النسوة في محيطهن بفضل الشركة وأصبحنا نتلقى طلبات انضمام وطلبات شغل، ولم يعد هناك من يسخر منا”، وتختم إكرام كلامها بالحديث عن الحلم الذي يراودها وهو إدارة مشروع نسائي.

بدورها فاطمة السالمي، التي كانت تعمل خياطة بمنزلها، لم يمنعها عمرها (56 سنة) من الالتحاق بفريق المشروع والمشاركة في أسهم الشركة من مدخرات المصروف اليومي والحلم بغد أفضل لها ولأبنائها بعد تخرجهم من الجامعات.

وتقول نجوى ضيفلاوي رئيسة تعاونية “التحدي” للهريسة، إن رأسمال الشركة (16 ألف دينار/8 آلاف دولار) يعتبر قليلا بالنسبة إلى شركة صناعية تشتغل فيها قرابة 164 امرأة.

ورغم الصعوبات التي واجهتها النسوة، إلا أن الحظ أسعفهن بتبنيهن وتأطيرهن من قبل منظمة “بومبات” السويسرية التي وفرت لهن فضاء العمل والدعم اللوجيستي والتكوين ووصفة تصنيع وتعليب منتوج “الهريسة” وتسويقها.

فاروق بن صالح، الخبير لدى منظمة التنمية الصناعية للأمم المتحدة، يقول متحدثا عن مساعدة المنظمة لهذا المشروع “تم تكوين النساء في شروط حفظ الصحة والتسويق عبر طرق متطورة، حيث أصبحت للشركة علامة تجارية مسجلة وهوية تجارية بصرية”.

وتابع بن صالح “تم تمكين النساء من التعريف بمنتوجهن عن طريق موقع الواب ما ساعد على وصول طلبيات من إيطاليا تعتبرها النسوة فاتحة خير نحو الأسواق العالمية”.

وتطالب نجوى مديرة المشروع الحكومة والسلطات الجهوية، بتمكين النساء من مقسم صناعي أو فلاحي لتوسيع المشروع خاصة أن النسوة يفكرن في تطوير الشركة وإضافة مكونات أخرى مثل تعليب التوابل وصنع المخللات وتعليبها مع الاعتماد دوما على عنصر الجودة.

21