الفلكيون

السبت 2015/11/21

ارتبط الإنتاج الثقافي في مجالي الحساب والفلك بتمثل جعل منه، خلال فترة طويلة من تاريخ العالم الإسلامي، امتدادا للانشغالات الدينية، بل ومُكونا منها أحيانا.

وتأسس ذلك على اعتبار المجالين المذكورين جزءا من العلوم الشرعية، بحكم توقّف الكثير من العبادات على جانب منهما. بل إن العالم المغربي المختار السوسي قد جمع، في كتابه “سوس العالمة”، بين الفرائض والحساب، في سياق تناوله لإنتاج علماء منطقة سوس المغربية، مبررا ذلك بكونهما كذلك عند علماء المنطقة. وشكّل هذا التصور، بالتالي، محددا لمجالات اهتماماتهما، حيث اعتُبر التوقيت، على سبيل المثال، مجالا في خدمة معرفة أوقات الصلاة والصيام والإفطار وجهة القبلة، بينما اعتُبر الحساب علما مساعدا في الإرث.

وتجلت مظاهرُ امتدادات هذا التمثل أيضا من خلال تدريس هذه العلوم وتداولها. وفي هذا السياق، تأسس تدريس علوم المجال على هدف مركزي، تتجلى بعض مظاهره في “ربط حياة المسلم بالحساب لتسوية حالات إرثه، وضبط مناسك صلاته وأوقات صومه”، بينما شكلت الاهتماماتُ الخارجة عن هذا الإطار حالات استثنائية، ومن ذلك اهتمامُ علماء جامعة القرويين بإمكان توحيد التاريخ الهجري بين المغرب والمشرق، بتكليف من الخليفة علي بن يوسف بن تاشفين.

ويعكس منشور السلطان المغربي محمد بن عبدالله، الصادر سنة 1789، والموجَّه إلى علماء جامعة القرويين، هذا التصور بشكل دقيق، حيث جاء فيه “وكذلك الفقهاء الذين يقرأون الأسطرلاب وعلم الحساب، فيأخذون حظَّهم من الأحباس لمَا في تلك من المنفعة العظيمة والفائدة الكبيرة لأوقات الصلاة والميراث، وعلى هذا يكون العمل إن شاء الله”.

ويعكس الإنتاج الثقافي المطبوع، كما هو الأمر في حالة المغرب على سبيل المثال، جوانبَ هذا التمثل، حيث اهتمت معظمُ المطبوعات المندرجة في إطار علم الفلك، بتحديد اتجاه القبلة، وأوقات الصلاة، وضبط دوران القمر، ومنها “نزهة النسرين والحبق في امتداد مختار المغرب إلى الشفق” لجعفر الكتاني، وهو مؤلَّف في تحديد وقت صلاة المغرب، و”مفتاح أجنحة الرغاب في معرفة الفرائض والحساب” لأحمد بن سليمان الجزولي الرسموكي.

كما شكلت بنيةُ مؤلفي المصنفات المرتبطة بحقول المجال امتدادا آخر للتصور ذاته، حيث انحصرت نواتُها في الفقهاء والعلماء، ومنهم محمد بن سعيد المرغيتي، وقد عُرف بنظمه “المقنع في علم أبي مقرع”، ومحمد بن سليمان الروداني، وهو عالم مشارك في عدد من العلوم، وقد اخترعَ أجهزة لنظرياته الفلكية، ومنها “الآلة الجامعة النافعة في علمي التوقيت والهيئة”، بالإضافة إلى منظومته في التوقيت. بينما شغل الفلكيون والمؤقتون والرياضيون هامشا محدودا من هذه البنية. ولعل من أشهرهم ابن الموقت المراكشي الذي أدّى به اهتمامُه بالتوقيت إلى درجة كتابة نشرة يؤكد فيها أن القيامة ستقوم سنة 1950.

كاتب من المغرب

17