الفلوجة على أعتاب مجزرة تحت عنوان "التحرير" من داعش

الإعلان عن قرب إطلاق معركة استعادة مدينة الفلوجة العراقية من مقاتلي تنظيم داعش، هو بحسب قراءة البعض، إعلان عن قرب انطلاق حملة “ثأر” طائفي من سكان المدينة التي كانت دائما معقلا لمعارضة حكم الأحزاب الشيعية في العراق، وقبل ذلك موطنا لمقاومة الاحتلال الأميركي، قبل أن يصبح سكانها أخيرا موضع اتهام بالتواطؤ مع داعش واحتضانه.
الاثنين 2016/05/23
كيف للرصاص أن يفرق بين مدني وإرهابي

بغداد - كشفت تسريبات مصدرها مدينة الفلوجة العراقية الواقعة تحت سيطرة تنظيم داعش، والمحاصرة من قبل القوات العراقية والميليشيات الشيعية، أنّ حالة من الفزع الشديد سادت سكان المدينة بعد إعلان القوات العراقية عن قرب إطلاق عملية اقتحامها.

ويشارك متابعون لسير الحرب على تنظيم داعش في العراق سكّان الفلّوجة مخاوفهم من حمّام دم في المدينة كون الكثير من المعطيات الميدانية والحسابات السياسية، وحتى الاعتبارات الطائفية، تشير إلى معركة مختلفة في المدينة التي يصر تنظيم داعش على الاحتفاظ بها كآخر موقع كبير له في محافظة الأنبار بغرب العراق، فيما تريد جهات سياسية عراقية، وقادة أحزاب وميليشيات شيعية أنّ تحقّق فيها “انتصارا” يغطي على الأزمة الأمنية والسياسية الحادّة التي يعيشها البلد حاليا، والتي وضعت هؤلاء القادة في صراع مفتوح في ما بينهم، كما جعلتهم في موضع اتهام مباشر من قبل العراقيين بالمسؤولية عما آلت إليه أوضاع البلد من شبه انهيار شامل.

وتمثّل مشاركة الميليشيات الشيعية في معركة الفلّوجة، بحدّ ذاتها، انتصارا لتلك الميليشيات التي خاض قادتها معركة سياسية وإعلامية شرسة ضدّ رافضي تلك المشاركة والمستندين في موقفهم إلى سوء سلوك الميليشيات في مناطق أخرى كانت ساهمت في استعادتها من تنظيم داعش.

وتجلّت الأهمية السياسية لمعركة الفلّوجة في مبادرة قادة الميليشيات الشيعية المرتبطة بالأحزاب إلى الإعلان عن بدء المعركة منذ الأسبوع الماضي، قبل أن يأتي قرار القوات المسلحة، الأحد، لاحقا لمّا كانت الميليشيات قد قرّرته سلفا.

ودعا الجيش العراقي، الأحد، سكان المدينة إلى الاستعداد للخروج منها تمهيدا لشن هجوم شامل لاستعادتها من تنظيم داعش.

وقالت خلية الإعلام الحربي، التابعة لوزارة الدفاع العراقية، في بيان أذاعه التلفزيون الرسمي، “نهيب بكافة المواطنين الذين لا يزالون داخل الفلوجة، التهيؤ للخروج عبر طرق مؤمّنة ستوضح لكم لاحقا”.

وأضافت، أنه “على مواطني الفلوجة كافة، الابتعاد عن مقرات عصابات داعش وتجمعاتها، إذ سيتم التعامل معها كأهداف للطيران الحربي، وعلى العوائل كافة التي لا تستطيع الخروج، رفعُ راية بيضاء على مكان تواجدها”. وأوضح البيان أن “عملية تحرير المدينة، بمثابة عملية عسكرية عراقية تشترك فيها كافة الفصائل والألوية من الجيش، وجهاز مكافحة الإرهاب والشرطة والحشد الشعبي والحشد العشائري”.

إعلان القوات المسلحة عن معركة الفلوجة، إقرار لما كان قادة الميليشيات الشيعية قد قرروه وأعلنوه سلفا

ومن جهتها أعلنت قيادة الشرطة الاتحادية عن وصول 20 ألفا من مقاتليها إلى مشارف الفلوجة استعدادا لاقتحامها.

وأثارت دعوة القوات المسلّحة المدنيين للمغادرة تساؤلات المراقبين السياسيين والمحلّلين العسكريين “نظرا لعدم واقعيتها”، بحسب تعبير أحد هؤلاء الذي أشار إلى “أنّ سكان الفلّوجة يقعون تحت حصار خانق من قبل عناصر تنظيم داعش الذين عمدوا إلى تفخيخ مداخل المدينة ويراقبون طرقها بدقة متناهية عن طريق أمهر القناصة الذين اعتلوا الأسطح مصوّبين أسلحتهم باتجاه كلّ من يتحرّك باتجاه الطرق المؤدّية إلى خارج المدينة”.

وتقدّر مصادر رسمية عراقية عدد المدنيين المحاصرين في الفلّوجة بـ75 ألف مدني، واجهوا طيلة ما يقارب السنة أوضاعا بالغة الصعوبة بفعل نقص الغذاء والدواء والتعرّض لاعتداءات تنظيم داعش، كما يجري الإعلان بشكل مستمر عن سقوط قتلى في صفوفهم بسبب القصف العشوائي على أحيائهم من قبل القوات العراقية والميليشيات الشيعية التي تحاصر المدينة.

كما تتالت خلال الأشهر الأخيرة أنباء عن حالات انتحار في صفوف المدنيين بفعل اليأس وشدّة المعاناة.

ولم يتردّد البعض في التعبير عن شكوكه بأن القرار السياسي وراء إطلاق معركة الفلّوجة دون توفير شروطها وعلى رأسها تأمين المدنيين “هو بمثابة تضحية بسكان المدينة لامتصاص غضب الشارع الشيعي الغاضب في بغداد من الفشل الذريع في حماية الأرواح والممتلكات من هجمات داعش التي أوقعت مؤخرا المئات من الضحايا في صفوف المدنيين”.

وكانت بغداد شهدت الجمعة الماضية تظاهرات غاضبة انتهت بعملية اقتحام للمنطقة الخضراء المحصّنة، ورفعت خلالها شعارات واضحة تتهم الحكومة والميليشيات بالفشل في حماية المدنيين من داعش.

وجرى بالتزامن مع الإعلان عن قرب اقتحام الفلّوجة ربط من قبل قادة الميليشيات بين سيطرة داعش على المدينة والوضع الأمني المتردّي في بغداد، حيث قال هؤلاء إنّ السيطرة على المدينة ستنهي هجمات داعش على العاصمة، وهو ربط بدا اعتباطيا باعتبار الفلّوجة محاصرة بإحكام منذ حوالي سنة ولا يمكن للتنظيم تصدير الانتحاريين والسيارات المفخّخة منها إلى بغداد.

وتثير مشاركة ميليشيات الحشد الشعبي في المعركة المرتقبة في الفلّوجة المزيد من القلق بشأن مصير المدنيين، لجهة كون سكان المدينة كانوا دائما موضع اتهام من قبل قادة تلك التشكيلات الطائفية المسلّحة باحتضان تنظيم داعش والتواطؤ معه.

ويحّذر كثيرون من عمليات انتقام طائفي من سكان المدينة التي مثلت دائما مركزا لمعارضة حكم الأحزاب الشيعية في العراق، مثلما مثلت من قبل موطنا رئيسيا لمقاومة الاحتلال الأميركي. وكثيرا ما نصح سياسيون وقادة رأي بإسناد دور أكبر لأبناء العشائر السنية في عملية استعادة الفلوجة من داعش كون ذلك يمثّل ضمانة للسكان وحماية للعملية العسكرية من الانزلاق باتجاه تصفية الحسابات الطائفية.

3