الفلوجة لم تتحرر بعد

الخميس 2016/06/23

على عكس ما تشيعهُ وسائل الإعلام الحكومية العراقية، وتلك القريبة من مشروعها السياسي، بأن معركة تحرير الفلوجة قد شارفت على نهايتها، باندحار قوات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فإن المعركة لم تنته بعد، على الأقل في ما يتعلق بمعالجة أسباب اندلاعها، لضمان عدم تكرار هذه المعركة لاحقا.

قد يبدو أن ما قامت به قوات الجيش العراقي ومن معها من المتطوعين وأبناء عشائر الأنبار، أمر يستحق الثناء، نظرا لشراسة المواجهة مع عناصر التنظيم الإرهابي، وحجم ما أعده تنظيم الدولة (داعش) لهذه المعـركة من استعدادات عسكرية وميدانية كبيرة، ولا بد من الإشارة هنا إلى أن ثمة نقلـة نـوعية يمكن أن يسجلها العسكريون في أداء القـوات المسلحة العراقية في المواجهة المباشرة، وسرعة الحسم والمباغتة، والتقليل من الأخطاء التي ترافق مثل هذه العمليات الواسعة، فإن هذا الثناء أو الإعجاب يجب أن يبقى في إطاره العسكري فحسب، ويجب أن يُلتفت إلى أن نجاح المقاربة العسكرية، مؤشر جيد لنجاح استراتيجية بناء القوات المسلحة التي تفككت عام 2014 بسبب الفشل والإرهاق واستشراء الفساد في صفوفها، والتداخل الواضح، آنذاك، بين ما هو سياسي وما هو عسكري بحت، بمعنى قيام حكومة نوري المالكي بتوريط المؤسسة العسكرية بالعمل السياسي، مما جعلها تفقد قدرتها بل ورأس مالها الرمزي كقوة وطنية جامعة، تدافع عن الجميع بذات القدر والمستوى.

بل إن خطيئة حكومة المالكي الكبرى هي تسييس ملف القوات المسلحة، مما أفقـد تحركها لضبط الشـارع آنذاك زخمـه بل ومشروعيتـه، لكونـه (أي الجيـش) ظهر بمظهـر المدافـع عن سلطـة الفـرد، في سيناريو مشابه لما واجهه الجيش العراقي بعد احتلاله للكويت عام 1991، حين أصر صدام حسـين على تـوريـط الجيـش في معركة كان يمكن للمقاربة السياسية أن تجنبه إياهـا بلا خسائر موجعة كالتي تلقاها آنذاك، وقادت لانهيـاره المخـزي حينها.

ما حدث في الفلوجة على مدى الأسابيع الماضية من فعل عسكري، هو أمر جيد، ويمنح العراقيين الثقة، بقدرة قواتهم المسلحة على المواجهة، وخوض معارك صعبة ومعقدة كالتي جرت وتجري الآن، بل إن النصر العسكري سيكون دافعا إضافيا للقوات المسلحة من أجل تبني عقيدة قتالية تقوم على أساس حماية الأرض وحفظ الإنسان العراقي، وهي عقيدة إن نجحت الحكومة العراقية الحالية في تأكيدها، وإبعاد من يحاول شرخها بتصرفات طائفية، سيكون هذا التأكيد هو الانتصار الأهم من استعادة بلدة كالفلوجة مع أهميتها الاستراتيجية، من النواحي العسكرية والاجتماعية وغيرها.

مع احتفائنا الأكيد بهذا النصر، ينبغي التأكيد على أن هذا لا يكفي، وأن ما حققهُ المقاتلون على الأرض بحاجة ماسة لتأكيده والحفاظ عليه عبر تبني مقاربة سياسية، تأخذ في الحسبان المجتمع المحلي السني الذي جرت على أرضه هذه المعركة، ومعالجة السياسات السابقة التي قادت لهذا التمرد، واندكاك البعض من أبناء ذلك المجتمع في مشروع يعرفون هم قبل غيرهم أنه مشروع غير قابل للحياة لا لقدرة الحكومة على هزيمته فحسب، بل لرفض العالم أجمع أن تنمو دويلة إقصائية إجرامية في بقعة مهمة كالعراق.

ما دفع المجتمعات السنية في العراق لتبني خيارات انتحارية في وجه تغيير عام 2003، لا يزال بعضه قائما للأسف، ولم تجر عملية مكاشفة حقيقية لمعالجته واستئصاله للأبد، ومع اعترافنا بأن البعض من أسباب التمرد السني تعود إلى أياد خارجية، فإنه لا ينبغي أن ننسى بأيّ حال أن الحاضنة السنية للإرهاب في العراق كانت في جزئها الكبير هي ردات فعل تجاه ما تتصوره تهميشا واستئثارا بالسلطة من الشيعة والأكراد.

المطلوب تبنيه الآن، وعلى عجالة، هو مصالحة مجتمعية مع الشارع السني، وتفكيك الأحلاف السياسية (الشيعية والكردية)، ومن ثم إعادة إدماج أبناء المحافظات المستعادة من تنظيم داعش في الفضاء الوطني، عبـر استيعاب هذا الشارع في منظومة الحكم، وتوزيع منصف للمال والنفوذ، حينـذاك يمكننا أن نكافئ قواتنا المسلحـة الباسلـة بتجنيبها معـارك أخـرى في الفلـوجة أو في أي فلـوجة أخـرى قـد يقـود الفشل السياسي لظهورها كبؤرة لإرهاب عـولمي يعتاش على الأزمـات الداخلية.

كاتب عراقي

8