الفلوجة: معركة الحسابات المعقدة

السبت 2016/05/28

مع انطلاق العمليات العسكرية لاستعادة مدينة الفلوجة العراقية، أعلن رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، أن هدف العملية ”تحرير مواطني الفلوجة وحمايتهم”. لكن وبعكس دبلوماسية العبادي، ظهر أوس الخفاجي، أحد أهم أقطاب الحشد الشعبي، ليعلن عن الهدف من المعركة: “تطهير العراق من الفلوجة”. ذلك أن تلك الأرض الخصبة، وهو معنى اسمها باللغة العربية، كانت منذ عام 2004 ولا تزال “منبعاً للإرهاب” كما يقول الخفاجي الذي لم يتردد في توزيع أحكام القتل على جميع سكانها دون استثناء.

تخوض الميليشيات الطائفية العراقية ممثلة بـ“الحشد الشعبي” المعركة باعتبارها أداة إيران التي تحاول تكريس هيمنتها على العراق وإعادة صياغته من جديد على جميع المستويات، ويشمل ذلك المستوى الديمغرافي من خلال التهجير والإبادة. المعركة من هذا المنظار هي “فرصة”، كما قال الخفاجي، لتدمير مدينة الفلوجة، ولإبادة سكانها.

الحكومة العراقية، ممثلة برئيس الوزراء العبادي، لها أسبابها للاندفاع نحو المعركة. في خضم الاحتجاجات ضد الحكومة العراقية، تبدو معركة الفلوجة إحدى وسائل الدفاع ضد المحتجين الذين اقتحموا المنطقة الخضراء للمرة الثانية الأسبوع الماضي. تصدت قوات الأمن للمقتحمين، من مؤيدي التيار الصدري، بالرصاص الحي ما أسفر عن عدة قتلى ليتصاعد الغضب الشعبي وتصبح مهمة إخماد نيرانه حساسة وملحة. أبعد من ذلك، يحاول العبادي التشويش على الخلافات داخل البيت الشيعي إذ يرفع الضغوط عن نفسه ويقذف بضغوط المعركة في وجه الجميع.

السبب الثاني يتمثل في الهجمات الانتحارية الدامية التي نفذها تنظيم داعش في بغداد، والتي ألحقت خسائر فادحة في صفوف المدنيين. إن استعادة مدينة الفلوجة، التي تفصلها مسافة 60 كم فقط عن بغداد، هي بمثابة تأمين للعاصمة العراقية كما تعتقد حكومة العبادي، وربما تشاركها في ذلك كل من طهران وواشنطن.

السبب الثالث هو الرغبة الأميركية في بدء تلك المعركة، وضرورة الإصغاء إليها في ضوء ما تقدمه من دعم جوي للقوات العراقية. كانت واشنطن قد أعلنت عن رغبتها في استعادة الموصل أولا، ولكنها غير واثقة من قدرات الجيش العراقي والحشد الطائفي، ولذلك فضلت الدخول في معارك على نطاق أصغر في الوقت الحالي.

ولكن السؤال يبقى قائماً حول إمكانية نجاح الحكومة العراقية في استعادة مدينة الفلوجة التي كانت أول مدن العراق التي تسقط بين يدي تنظيم داعش في مطلع العام 2014. وقت طويل بصورة كافية قام التنظيم في أثنائه بتدعيم دفاعاته وحفر الأنفاق والخنادق ونصب الكمائن وتوزيع مقاتليه على وحدات قتالية صغيرة وفعالة. من المؤكد أن التنظيم فعل كل ما يمكن أن يمنع سقوط المدينة، أو ما يجعل سقوطها عصيا للغاية.

إن أحد أسباب التحول عن معركة الموصل والاتجاه نحو معركة الفلوجة هو الاعتقاد السائد بأن مدينة الموصل هي صخرة داعش الأكثر صلابة في العراق، وأن معركة الفلوجة سوف تكون مضمونة النجاح. يصعب التكهن حالياً بمدى صلابة الفلوجة إذ يعتمد ذلك بدرجة كبيرة على استراتيجية تنظيم داعش، وبشكل خاص على الجهد وعلى حجم الخسائر التي يرغب التنظيم في وضعها في المعركة. ولكن من المؤكد أنه في حال توفرت الإرادة لدى التنظيم للدفاع عن المدينة تحت أي قدر من التكاليف والخسائر، فإن مهمة القوات المهاجمة ستكون عسيرة وطويلة، وربما تكون مستحيلة.

ما يزيد من صلابة الفلوجة أنها تحتفظ برمزية عالية ليس فقط لدى تنظيم القاعدة وداعش، بل في عموم المجتمع العراقي السني، إذ كانت عنواناً للمقاومة العراقية إبان الغزو الأميركي. لقد خاضت قوات المارينز في الفلوجة معركة شرسة على عدة جولات، وتكبدت خسائر وصفها الإعلام الأميركي حينها بأنها المعركة الأكثر دموية للقوات الأميركية منذ هزيمتها في فيتنام.

المسألة الثانية التي ستحدد مصير معركة الفلوجة هي حجم القصف الجوي العراقي والأميركي. من المرجح أنه إذ أرادت القوات المهاجمة تحقيق الانتصار، فإن طريقها الوحيد هو تكرار سيناريو معركة الرمادي التي استعادتها القوات العراقية لسبب أساسي ووحيد هو تسويتها بالأرض وتدمير كل ما فيها من قبل طائرات التحالف. لا تزال الفلوجة تحتضن نحو مئة ألف من المدنيين العراقيين، وكان ذلك ليشكل عقبة كبيرة أمام أي جيش في العالم ملتزم بأدنى درجات احترام قوانين الحرب وحماية المدنيين. ولكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للجيش العراقي عموما وقوات الحشد الشعبي خصوصاً.

حتى وإن تمكنت القوات المهاجمة من السيطرة على الفلوجة، يبقى الاحتفاظ بها أمراً مشكوكا فيه. لقد بات تكتيك تنظيم داعش واضحاً إذ يعتمد على خوض معركة شرسة تلحق أكبر قدر من الخسائر بالخصم، ثم الانسحاب وترك مجموعات قتالية متفرقة تعود لتقاتل في زوايا مختلفة من المدينة. باختصار، إن النجاح في الفلوجة ليس مضموناً. ربما لا تكون تلك المدينة العراقية الصغيرة صخرة هائلة الحجم، ولكنها ليس حصاة أيضاً حتى يسهل ابتلاعها.

كاتب فلسطيني سوري

9