الفلوجة من مستعمرة لداعش إلى مشروع سجن كبير لسكانها

استعادة مدينة الفلّوجة العراقية مطلع الصيف الجاري من تنظيم داعش لن تمثّل نهاية معاناة أهلها، بل قد تفتح على مرحلة جديدة من المعاناة عنوانها إحكام القبضة الأمنية على المدينة بذريعة معلنة تتمثل في منع التنظيم المتشدّد من العودة إليها، وبخلفيات مضمرة تتلخص في نظرة الشكّ والارتياب إلى الفلوجة كمركز سنّي لمناهضة نظام الأحزاب الشيعية.
الاثنين 2016/08/15
مقاربة أمنية تحكم علاقة الدولة العراقية بجزء من مواطنيها

بغداد - حذّر مصدر محلّي من محافظة الأنبار بغرب العراق من أنّ إجراءات أمنية “غير مسبوقة” تنتظر سكان مدينة الفلّوجة المستعادة في يونيو الماضي من سيطرة تنظيم داعش في نطاق مشروع أمني وصفه بـ”غير المسبوق”، معبّرا عن مخاوف من أن تتحوّل المدينة إلى “سجن كبير” لسكانها بعد ما عانوه تحت احتلال تنظيم داعش لمدينتهم طيلة أكثر من سنتين، وما رافقه من حصار مطبق فرض عليهم من قبل القوات الحكومية والميليشيات المساندة لها خلال تلك الفترة.

واعتبر أن الإشكال لا يكمن في الإجراءات الأمنية بحدّ ذاتها ولكن في الخلفيات التي تختفي وراءها، حيث تترجم نظرة شكّ وريبة لسكان المدينة من قبل جهات نافذة في السلطة العراقية كثيرا ما اتهمت أهالي الفلّوجة باحتضان تنظيم داعش والتعاون معه، حتى أن شخصيات شيعية لم تتردّد في وصف المدينة بـ”رأس الأفعى” وبـ”الغدّة السرطانية”.

وكانت الفلّوجة قد تحوّلت منذ الغزو الأميركي للعراق إلى مركز مهم لمقاومة ذلك الغزو، ولاحقا لمناهضة النظام الذي نتج عنه والذي لا يزال قائما إلى اليوم بقيادة الأحزاب الشيعية الموالية لإيران.

وقال المصدر الذي طلب عدم الكشف عن هويته إنّ بعض الإجراءات الميدانية ذات الصلة بتنفيذ المشروع الأمني المذكور بدأت بالفعل بالتوازي مع أشغال رفع مخلّفات الحرب وتهيئة المدينة لعودة سكانها الذين نزحوا عنها خلال المواجهات بين القوات الحكومية وعناصر داعش.

ومن تلك الإجراءات، وفق المصدر ذاته، حفر خندق يحيط بالمدينة لفصلها عن محيطها، وتقسيم أحيائها من الداخل وعزلها عن بعضها البعض بحواجز إسمنتية وتركيز مقرات محصّنة لنقاط التفتيش والدوريات الأمنية التي ينتظر أن يكون عددها كبيرا وأن تنتشر بشكل مكثّف في أغلب الطرقات الرئيسية والمفترقات والمعابر بين الأحياء.

وأكّد المصدر أن العمل جار على تركيز البنى التحتية وتوفير الوسائل التقنية لفرض رقابة صارمة على سكان الفلّوجة لا تستثني أدقّ خصوصياتهم من خلال التدقيق بهوياتهم بشكل دوري ومستمر والتعرّف على وجهاتهم أثناء تنقلّاتهم بالمدينة وخارجها، وحتى على زوارهم وضيوفهم ومخاطبيهم والمتصلين بهم عبر الهاتف وغيره من وسائل الاتصال.

وتبرّر جهات مقرّبة من الحكومة العراقية هذه الصرامة في الإجراءات الأمنية بمنع عناصر داعش من العودة إلى الفلّوجة. وسبق لمدير شرطة المدينة، العقيد جمال الجميلي، أن كشف عن إجراءات ميدانية وتدابير إدارية لضبط الأمن.

وشرح أن خندقا سيلف المدينة من محوريها الشمالي والجنوبي، موضحا أن المحور الغربي محمي بنهر الفرات كحاجز طبيعي، بينما يمتد الطريق الدولي السريع بما فيه من حواجز أمنية على طول محورها الشرقي.

وبشأن الإجراءات الإدارية، سبق أن نُقل عن قائم مقام الفلوجة، عيسى العيساوي، قوله إن أهالي الفلوجة سيكونون ملزمين بتعبئة استمارات أمنية إلكترونية خاصة قبل العودة إلى مدينتهم.

وأوضح أن هذه الاستمارات ستخصص لكل أسرة عائدة رقما متسلسلا خاصا بها، ما يسهل على الأجهزة الأمنية في القضاء التعرف بسرعة على البيانات الأولية للأسرة وخلفيتها الأمنية.

وأكد أن البيانات الواردة في هذه الاستمارات ستشكل قاعدة معلومات يتم لاحقا على أساسها إصدار بطاقات هوية وبطاقات تسجيل السيارات.

وتضمّ الاستمارة اسم رب الأسرة ومهنته وعنوان سكنه في الفلوجة، فضلا عن عنوان السكن في المنطقة التي كان نازحا إليها.

كما تضمّ الاستمارة أسئلة عما إذا كان لدى رب الأسرة أقارب ينتمون إلى التنظيمات الإرهابية وما هي أسماؤهم، أو إذا ما كان له أقارب يقيمون خارج العراق.

ويمكن اعتبار هذه الإجراءات الأمنية المشدّدة استجابة لمطالبات متكرّرة من شخصيات أمنية وسياسية عراقية، وكتل شيعية بالأساس بتشديد الرقابة على مدينة الفلّوجة الواقعة على بعد حوالي ستين كلومترا غرب العاصمة بغداد حماية للأخيرة من الانتحاريين والسيارات المفخّخة التي يقول أصحاب تلك المطالبات إنّ الفلّوجة مصدرها الأساسي.

وأثناء العملية العسكرية الكبيرة التي شهدتها مدينة الفلّوجة الربيع الماضي بهدف استعادتها من تنظيم داعش، خضع سكان المدينة الذين اضطرّوا لمغادرتها في موجة نزوح كثيفة، لعملية تدقيق أمني صارمة بذريعة منع تسرّب عناصر تنظيم داعش ضمن النازحين، شاركت فيها إلى جانب القوات الحكومية الميليشيات الشيعية، وتم خلالها فصل النساء عن غالبية الذكور القادرين على حمل السلاح بمن فيهم أعداد من الأطفال والشيوخ.

وشكا الأهالي من التعرّض لاعتداءات خلال عمليات التحقيق التي قالت منظمات حقوقية إنّها جرت في الغالب بطرق غير قانونية ومن قبل أشخاص غير مؤهّلين ودون الوسائل الضرورية للتحقيقات الاحترافية الشفافة والعادلة.

ولا يزال المئات من أهالي الفلّوجة إلى اليوم قيد الاحتجاز بتهمة الانتماء لداعش، ومنهم من أصبح مصيره مجهولا في ظلّ أنباء عن حدوث إعدامات ميدانية للكثير ممن جرى اعتقالهم.

ولم يغادر الكثير من سكان الفلّوجة، إلى اليوم، مخيمات النزوح المقامة على عجل والمفتقرة لأبسط مقومات العيش، وينتظرون السماح لهم بالعودة إلى مدينتهم التي تقول حكومة بغداد إنها بصدد التنظيف من مخلفات الحرب.

3