الفنانة السورية تالين هزبر في معرض للفسقية الشامية

معرض يركز على البَحرة من الناحية الجمالية والعلاقات الاجتماعية التي تتشكل في البيئة المحيطة بها.
الأحد 2019/11/10
شاعرية البيت الدمشقي لا تكتمل إلا بـ"البحرة" ذات النوافير

يتناول معرض “بنى مؤقتة” للفنانة والمهندسة المعمارية تالين هزبر دور الطبيعة والهندسة المعمارية في نقل ملامح التراث الثقافي، من خلال التركيز على تأثير استخدام النوافير، والمعروفة باسم “البَحرة”، التي تتوسط ساحات البيوت السورية التقليدية. المعرض افتتح أخيرا في إطار “معرض 421” الذي يسلط الضوء على الإبداعات الفنية الإقليمية من كافة أنحاء المنطقة.

يشكل المعرض مفهوم البَحرة، والتي تعد نافورة مياه عادة ما تتوسط ساحة البيت السوري التقليدي، حيث يركز على الناحية الجمالية للبَحرة والعلاقات الاجتماعية التي تتشكل في البيئة المحيطة بها. كما يسعى لفهم الارتباط بين التراكيب المعمارية للبَحرة والسياق والطقوس التي تدور حولها، والمستوحاة من التقاليد الثقافية والاجتماعية والدينية.

وقد تم تصميم المعرض من الأبعاد الأربعة التي تتشكل منها النافورة وتوزيعها في المحيط من أجل دراستها كقطع منفصلة، ومنح الزوار فرصة اختبار ما توحيه هذه التراكيب الفنية غير المترابطة. وقد تنوعت طريقة عرض البَحرات بين أنماط منعزلة وأخرى متصلة ببعضها، في إشارة تسلط الضوء على العلاقة التي تجمعها بالبيئات المحيطة والسياق الاجتماعي الذي يدور حولها.

وأكد فيصل الحسن، مدير “معرض 421” أن جمهور معرض “بنى مؤقتة” يختبر تفاصيل البيت السوري التقليدي، وما يتضمنه من سياق اجتماعي وثقافي ترويه البَحرة. ويعكس تصميمها الساكن والمياه المنسابة بشكل مستمر فيها حالة متباينة تخاطب خيال وأحاسيس المهتمين بفنون التصميم المعماري في المنطقة. كما يتميز بتركيزه على مفهوم الحالة الاجتماعية التي تنشأ حول البَحرة المزخرفة، والتي تطرح تساؤلات حول الهوية السورية والشرق أوسطية أمام جمهور المعرض.

كانت البحرة شاهدا ووصيا ومرآة تعكس السماء في وسط الفناء. إنها ذاك الهيكل الصامت، الصخب والمليء بالحياة، هيكل متركز ومنعزل، يستمد الحياة من الماء المسير في مدار

تنطلق رؤية تالين هزبر من تلك الكلمات التي افتتحت بها الكتيب الذي صاحب افتتاح المعرض: عبر زقاق ضيق وإلى فناء واسع ذي أقواس فسيفسائية وأرضيات من رخام، صوت مياه متدفق يسمع، ورائحة الياسمين المغلفة داخل الصحن تشير إلى أجواء فردوسية دنيوية. ففي صحن البيت، الأرضية على شكل حصيرة حجرية ذات تشكيلات فسيفسائية هندسية كبيرة من الحجر البازلتي والأحمر والجيري الأبيض أو من قطع الرخام المشقف والملون بأشكال هندسية من الرخام الأبيض والأحمر والأسود.

مساحة للظل والراحة، مساحة للتجمع والعزلة.

مساحة للتسامر والاحتفال والهمس.

مساحة لكسر الخبز.

مساحة لاحتساء القهوة والشاي.

مساحة للجلوس حول بركة الماء.

وفي حديثها حول انطلاق المعرض، رأت أن عملها يقدم الفرصة لدراسة مفهوم البحرة، والذي يثير العديد من الأسئلة التي تتعلق بالجوانب الاجتماعية والثقافية والدينية للهوية السورية، ويساعد على دراسة وفهم تلك الجوانب بعيدا عن النصوص والكتابات، ومن خلال نافورة المياه التي عادة ما تتوسط ساحة البيت السوري التقليدي. كما يركز على الروابط بين التراكيب المعمارية للبحرة وبين حياة الأشخاص في منطقة الشرق الأوسط التي تجمع بين الماضي والحاضر.

في معرضها الجديد الفنانة والمهندسة تالين هزبر تحيي "بحرة" المنزل السوري ودورها الثقافي والاجتماعي
في معرضها الجديد الفنانة والمهندسة تالين هزبر تحيي "بحرة" المنزل السوري ودورها الثقافي والاجتماعي

وتلفت تالين هزبر إلى “أن الهندسة المعمارية تشكل جانبا من جوانب الحياة الحديثة التي نشهدها، لذلك من المهم التعرف على كيفية تفاعل الأشخاص مع الأعمال الفنية التي تحمل طابعا هندسيا في محيطهم، وهذا ما حرصت على تقديمه من خلال ‘بنى مؤقتة’، وأتطلع إلى أن يلامس العمل جوانب من الحياة العصرية التي يعيشها زوار المعرض”.

وتتناول أعمال تالين هزبر مفاهيم الاستكشاف وفهم الطبيعة والمادة والحالة المؤقتة. وقد أبدعت أعمالا فنية وأجساما وموادا عابرة ومؤقتة تعزز أهمية التصميم في النظم الطبيعية، وتتحدى بها مفاهيم تراكم المادة واندثارها، وذلك بهدف إحياء التصاميم القائمة على الطبيعة وفهم العلاقة التي تجمع الطبيعة وفنون الهندسة المعمارية.

وتعمل هزبر عبر مختلف التخصصات الفنية والعمارة. وترتبط أعمالها ارتباطا وثيقا بالمناظر الطبيعية المحيطة بها وبنيتها المتشابكة والمعقدة. وتبرز فيها أهمية العمل داخل النظم الطبيعية، وتجريب المواد لفهم السلوك والخصائص، واستدعاء الهياكل الطبيعية المبنية، ودراسة خواص المواد المتراكمة والمتحللة، للسعي إلى التذكير بالهياكل الطبيعية وفهم العلاقة بين الطبيعة والهندسة المعمارية.

تقول “تعد البحرة ‘نافورة الماء’ مركز البيت السوري التقليدي ونقطة محورية للتفاعلات الاجتماعية. أصبحت البحرة أكثر شيوعا في سوريا مع نمو القوة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للدولة. لم تكن نوافير المياه مجرد قوالب خرسانية مغطاة بالبلاط أو الحجر حاوية للماء، بل كانت لها أهمية مادية وحسية. وعلاوة على كونها هيكلا هندسيا يضفي لمسة فنية على الفناء الداخلي، كانت البحرة مصدرا لمياه الشرب ومكانا للغسل والوضوء. كما كانت وسيلة لتلطيف أجواء الطقس”.

لم تكن نوافير المياه مجرد قوالب خرسانية مغطاة بالبلاط أو الحجر حاوية للماء، بل كانت لها أهمية مادية وحسية وعلاوة على كونها هيكلا هندسيا يضفي لمسة فنية على فناء  البيت الدمشقي

وتضيف “كان من أهم ما تضفيه البحرة للبيت العربي صوت الماء المتدفق منها. ولصوت الماء في الفناء مزايا كثيرة من أهمها عزل وتشتيت الصوت والأحاديث بداخل البيت العربي للحفاظ على خصوصيته، ما يضفي إحساسا بالهدوء والطمأنينة لما لصوت الماء من تأثير إيجابي. أيضا كانت البحرة شاهدا ووصيا ومرآة تعكس السماء في وسط الفناء. إنها ذاك الهيكل الصامت، المنفصل، الصخب والمليء بالحياة، هيكل متركز ومنعزل، يستمد الحياة من الماء المسير في مدار”.

وتوضح هزبر “بدلا من دراسة البحرة كهيكل مركزي يتناول عملي مفهوم البحرة بأجزاء من أشكال التصاميم التقليدية. يتكون العمل من أربعة أرباع. كل ربع هو جزء مقطعي من تصميم البحرة التقليدية في ساحات البيوت السورية. يسمح لكل مقطع من كل بحرة بإعادة الاتصال وتشكيل علاقات جديدة معزولة عن بيئاتها الطبيعية. يتم تقديم أقسام التشكيل الجانبي في مادة واحدة من لون واحد للتركيز على أنظمة المياه وأسطح المواد والأشكال الهندسية للبحرة. وبوحدة هذه العوامل نستطيع أن نلقي نظرة على الماء كمادة ذات وزن وتأثير على بيئتها المحيطة. وهكذا فإن العمل يبحث في اللحظات المؤقتة للتراث الثقافي البشري وبيئته”.

وتأمل هزبر من عملها “في فنائها” أن يساعد على استحضار الذكريات واختبار مدى إمكانية أجزاء ومقاطع لفهم العلاقة بين المادة والمحيط، وتقول “لمثل هذا الهيكل مقدرة على المكوث لاحتضان حركة المياه السلسة داخل تكويناته، فيسمح للمياه بالتدفق داخل نظمه لخلق الهدوء الشبه المؤقت”.

وكون هزبر تدعم أعمالها ببحوث مكثفة في السياقات الاجتماعية والتاريخية التي تتناول هذه العلاقة، فقد استشارت 11 مختصا لتقدم للجمهور فهما غنيا وواسعا عن مفهوم البَحرة. وقد سجلت في كتيب صاحب افتتاح المعرض مجموعة الأفكار والمساهمات التي قدمها هؤلاء ومن بينهم فنانون وأكاديميون سوريون من تخصصات مختلفة حول البحرة، والتي هي جزء من مشروع مستمر يركز على الأهمية المعمارية والثقافية للنوافير في المنازل السورية التقليدية، وذلك سعيا لجمع الخبرات والقصص والأفكار حول الهياكل المائية حول الأفنية.

رمز لذكريات جميلة
رمز لذكريات جميلة

يقول الفنان السوري عدنان سمان الذي عرضت أعماله في معارض هامة حول العالم إن “النافورة، أو ‘البحرة’ كما يسميها أهل سوريا، وعلى مدار قرون كانت ركنا أساسيا من أركان المنازل الشامية، وخاصة في سوريا، فهي مرآة بصرية وسمعية لتدفق الحياة في المنزل. تتجمع حولها العائلات والأصدقاء، ويستخدمونها للوضوء والاغتسال وتبريد الفواكه. كما بقيت مصدر إلهام لأهل البيت على الدوام. لن تجد منزلا ولو كان مهجورا ليست به تلك النافورة أو ما يرمز لها”.

ويرى الفنان والمخرج السينمائي ولاعب الكرة السابق عمار البيك “أن البحرة الدمشقية، بحر حوله جزيرة، وعلى هذه الجزيرة ياسمينة معرشة، وشجرة نارنج، وشجرة تين، وشجرة كباد، وشجرة ليمون، وشجرة بوملى، ودالية، والكثير الكثير من شتلات الجوري. بيت جدتي فاطمة عبداللطيف القحف هو عبارة عن جزيرة فيها بحرة مثمنة الأضلاع، رخامها تلفه عروق مشطوفة بنبض الدمشقيين ومياه عين الفيجة التي عمدت أرواحهم. على سطح جزيرتنا تلك هناك طيارة المنزل، غرفة شراكتنا أنا وانتصار أبوالذهب، أمي، التي تخبئ غسيلها هناك من زخات المطر وتحط عليها طيوري التسعة والتسعون. كانت بعض الطيور تسترق السمع والشرب من على صحن النافورة الرخامي للبحرة في منتصف البيت، الطباشيري والحلبي والمطوق وحتى اليهودي أسماء طيوري. كانت تغافل قانون المستويات في البيت وتهبط من أعلى نقطة، من طيارة السطح لأغزر نقطة، منبع الحياة والجمال، أعلى رأس النافورة المصنوع من نحاس”.

ويتذكر البيك “بحرتنا المثمنة الأضلاع، وإحدى منابع حريتنا، كانت ضلعا في صدر كل أهل البيت، في باب السلام داخل سور دمشق القديمة، فقط أربعون من الأمتار كانت المسافة الفاصلة بين أهل البيت وباب السلام، وكأن القدر قدر الطفولة والحياة أن تكون البحرة ملتقى هذه العائلة وعلى مقربة من باب السلام الروماني العمارة ربما. بحرتنا، بحرنا المصغر، وملتقانا الهندسي، والعقلي، والروحي المتسع في جمال العبارة التي كانت مصدرا روحيا لبث الطاقة، في الليل عندما يخلد الجميع لغرفهم، يعطي صوت النافورة لنجوم السماء بعدا أرضيا سماويا فتانا. ومازال الصوت يسكنني ومازالت الأضلاع المثمنة مركز جاذبيتي تجاه دمشق سحر الجمال، بيت طفولتي ومدرستي”.

وتحكي الباحثة في الدراسات المدنية ديما ديوب “قضيت ثلاثة أيام في فندق في باب توما أثناء التحضير لزفاف صديق لي. قامت أسرة العريس وأصدقاؤه بحجز الفندق بأكمله، كان فندقا صغيرا ذا أرضية من بلاط ملون، وإيوان صيف وفناء خلاب تتوسطه نافورة ‘بحرة’ تحيط بها نباتات متنوعة.

وفي صباح يوم الزفاف، دارت كل أنشطة اليوم حول البحرة. قدمت وجبة الفطور على أنغام فيروز، واستمرت أجواء البهجة بينما كنا نستعد للعرس. كان حدثا مميزا مليئا بالسعادة والسلام”.

وتقول المهندسة المعمارية جودي محفوظ “كانت حلب ذات يوم مركزا للتجارة الدولية، وأدت الوفرة في الموارد الموجودة في ذلك الوقت إلى نشأة البيوت العربية الفسيحة في حي الجديدة. هذه القصور التجارية التي قام المسلمون والمسيحيون ببنائها على نفس النمط وبنفس المستوى هي دلائل على المنزلة والرخاء والذوق والتعايش. احتوت هذه القصور على صحون رائعة، وأواوين مقببة أو قاعات مفتوحة توجد بها ألواح خشبية مطلية بشكل معقد ومبهر على الجدران والسقوف المزينة بالورود والنقوش العربية. ومن ضمن هذه البيوت هناك أو كانت هناك: بيت باسل، بيت دلال، بيت أجقباش وبيت الوكيل”.

البحرة جزء لا يتجزأ من التاريخ
البحرة جزء لا يتجزأ من التاريخ

وتشير إلى أن وجود نافورة مياه “البحرة” أصبح داخل هذه البيوت عنصرا أساسيا من هيكله كرمز للمنزلة وكعنصر محوري في العديد من الممارسات الثقافية. كما أدت هذه النوافير إلى تعزيز العلاقة المتأصلة بين سكان حلب والزراعة ضمن ثقافتهم.

ويروي الفنان والمعماري خالد التكريتي “في منزلنا في دمشق كانت لدينا نافورة، وكلما أتذكر مدينتي أتذكرها، بالرغم من أننا كنا نعيش بعيدا عن المدينة الدمشقية القديمة، إلا أن والدي أصر على بناء نافورة في المنزل تحت شجرة العنب. إن طفولتنا تتمحور حول النوافير الدمشقية. بعد ظهر الجمعة، وخلال فترة جلوسنا حول فناء جميل به نافورة كبـيـرة محاطة بالزهور، استوقفتي سيدة تقرأ الطالع وقرأت فنجان القهوة التركية وابتسمت وقالت ‘يا له من حلم جميل. أنت تبحث عن السعادة ومنزل أبيض بسيط مليء بالحب’.. البيت الأبيض مازال حلما ولكنني تعلمت كيف أستمتع بالأشياء البسيطة. النافورة هي الحلم والطريق للوصول إلى الحلم”.

وتحدث عالم الآثار رامي الأفندي عن النافورة المهجورة بمنزل القبة، وقال “لمحدودية موارد المياه في حلب صمم أهلها أحواضا ضحلة لتجميع المياه وأمعنوا في تزيينها وزخرفتها. ومن بين أجمل تلك النوافير التي رأيتها هي تلك التي في منزل القبة”.

وتقول الرسامة ياسمين حياة “البحرة هي قلب البيت السوري التقليدي تحتل ركنا أثيرا في ذكرياتي عن دمشق، لا أتذكر الكثير من تفاصيل المزرعة العائلية، ولكن ما أتذكره هو النافورة، وأن حجم أي بحرة تمليه كمية المساحة المتاحة. فالبحرة كانت تستخدم في تبريد البطيخ الذي كنا نتركه على مياه تحت شمس الصيف. ولطالما كان للماء دور محوري في الثقافة السورية، فمنذ ستة آلاف عام وصف أهل ما بين النهرين الجنة بأنها نافورة ماء وشجرة ظليلة. وتذكر الديانات السماوية أنهار الجنة، وأورد القرآن الكريم في آياته ذكر البحرة في كل فردوس بالجنة. ووصلت البحرة إلى نموذجها المثالي خـلال العصر الذهـبـي للحضارة الإسلامية، وقت أن ازدهرت الفنون الرمزية وعلوم الهندسة. وكانت النوافـيـر، ومازالت، أقوى تمثيل للجمال السماوي. إنها أماكن خلوة وسكينة وراحة”.

توليب هزير مصممة الغرافيك والفنانة المقيمة بالإمارات ترى أن بيت أجقباش يعتبر من أقدم البيوت في حي الجديدة في حلب، وتقول “يشكل هذا البيت على نحو الخصوص، وحي الجديدة بشكل عام، نقطة فارقة في تاريخ المدينة وسكانها عبر حقبات الزمان المختلفة إلى يومنا هذا. كان قصرا سكنيا في منتصف القرن الثامن عشر، ثم أصبح متحفا للتقاليد الشعبية. أما في وقتنا الحالي، وعلى غرار العديد من المواقع في مدينة حلب، عانى هذا البيت من الصراع الجاري في المدينة، مما أدى إلى انهيار جزء كبير منه”.

الحرب تدمر المعمار التاريخي
الحرب تدمر المعمار التاريخي

 

14