الفنانون التشكيليون العرب يفجرون بالألوان ثورة فنية جديدة

الأحد 2015/12/27
من أعمال الفنان سرور علواني

شهدت السنوات التي تلت قيام ثورات الربيع العربي حالة من التآزر بين فناني الدول العربية ومبدعيها، الذين انبروا في التعبير عمّا يعصف ببلدانهم من أحداث غيّرت وجه العالم وسطرتها كتب التاريخ، ليكونوا بفنونهم المختلفة من أهم المؤرخين لتلك الفترة، بأعمال فنية متميزة كانت الثورات ومصير الإنسان العربي أحد أهم محاورها الرئيسية.

بمرور السنوات بدأ ذلك الاتجاه يخفت تدريجيًا، خاصة في الدول التي خفتت فيها الاتجاهات الثورية بشكل كبير، فلم يعد الفن التشكيلي أو غيره من الفنون البصرية يضع ما يعتمل في الأوطان العربية من أحداث كمحور أساسي في اللوحة، لتعود الأفكار والمفاهيم الشخصية والفلسفية للحضور بقوة في الأعمال التشكيلية العربية خلال العام المنصرم.

ونظرًا لأن الكاريكاتير هو فنّ الحدث بامتياز، كان ذلك الفن معاصرًا لكافة الأحداث الدائرة في الأوطان العربية، وإن اختلف تركيزه على الهمّ العام من دولة إلى أخرى، وفقًا للأحداث الدائرة بها ووفقًا لمساحات التعبير والحرية الممنوحين، لتكون سوريا هي بطل الكاريكاتير الأول بامتياز، إذ أفرزت المأساة السورية العديد من المواهب في فن الكاريكاتير، وعبّر أصحابها عما يعتمل في بلادهم لحظة بلحظة، ليواجهوا بذلك سيلا من التضييقات الأمنية، فيما كانت الأعمال الكاريكاتيرية في دول أخرى تغلب عليها السطحية والابتعاد عن هموم الأوطان ليكون هدفها هو الإضحاك بعيدًا عن أيّ رسالة.

فنون سورية

لا تزال المأساة السورية بكافة نواحيها حاضرة بقوة في الأعمال التشكيلية والكاريكاتيرية في سوريا، إذ غلب الانشغال بالدمار والحرب في سوريا على الكثير من أعمال النحت والتشكيل، وكان الكاريكاتير هو بطل الفنون البصرية بعد الثورة وخلال العام المنصرم، إذ عبّر الفنانون عن مختلف القضايا التي مرت على وطنهم في أعمال الكاريكاتير، وبرزت العديد من الرسومات التي تنتقد النظام بشكل لاذع، كما أسس عدد من فناني الكاريكاتير “صحيفة أكرم رسلان” وهي كاريكاتيرية ساخرة ترصد الوضع السوري، تم تأسيسها عقب تأكد نبأ وفاة رسام الكاريكاتير السوري أكرم رسلان تحت التعذيب في معتقلات النظام السوري.

من جهة أخرى، لم تتوقف أنشطة الفنون التشكيلية داخل مختلف المحافظات السورية، إذ شهدت سوريا العديد من المعارض التشكيلية التي تضمنت أعمالًا مختلفة للعديد من الفنانين التشكيليين، وكانت الأزمة السورية حاضرة بشكل جليّ في معظم الأعمال، وإن اختلفت الرؤية للتراجيديا السورية من حيث التعويل على أطراف بعينها دون أخرى. أيضًا، كانت هناك الكثير من الجهود للفنانين التشكيليين السوريين، المقيمين في الخارج، إذ أقام الكثير منهم معارض في أوروبا ودول عربية لأعمالهم التي كانت المأساة السورية حاضرة بقوة في لوحات استطاعت أن تنقل إلى الخارج معاناة الشعب السوري.

كاريكاتيرات الرسام السوري الراحل اكرم رسلان رصدت الوضع السوري بكل دقة

التشكيل المصري

تميزت مصر على مدار تاريخها بالريادة في مجالات الفنون التشكيلية، إذ قدمت العديد من الأسماء التشكيلية الهامة والبارزة، وشهد العام المنصرم حركة تشكيلية واسعة في مصر، ساعد في تأجيجها تلك المواهب الشابة التي برزت بعد ثورات الربيع العربي ولا تزال تقدم الكثير من الإبداعات.

من أبرز المعارض الفنية التي شهدتها القاهرة، معرض “قناة السويس.. الماضي والحاضر والمستقبل” والتي شارك فيها ما يقرب من 200 فنان تشكيلي، احتفلوا من خلال أعمالهم بتدشين قناة السويس الجديدة في مصر، وسط انتقادات للأعمال المقدمة واتهامها بالسطحية والركاكة، فضلًا عن الدورة 37 للمعرض العام، الذي يعد من أهم وأبرز المعارض الخاصة بالفن التشكيلي المصري، بمشاركة 235 فنانا وفنانة عرضوا ما يقرب من 321 عملا فنيا في مختلف مجالات الفنون التشكيلية.

على صعيد فن الكاريكاتير، أقيم معرض الملتقى الدولي الثاني للكاريكاتير، الذي نظمته الجمعية المصرية للكاريكاتير واتحاد منظمات الكاريكاتير “فيكو” مصر، بالتعاون مع قطاع العلاقات الثقافية الخارجية، وقطاع الفنون التشكيلية، وصندوق التنمية الثقافية، والهيئة العامة لقصور الثقافة.

وتم اختيار أكثر من 850 عملا فنيا لنحو 285 فنانا من 60 دولة، بينها أوكرانيا وروسيا وأسبانيا وكوبا، والصين والمغرب والكويت والسعودية والبحرين والإمارات وذلك من أصل 452 رساما من 70 دولة، تقدموا بقرابة 2870 عملا كاريكاتيريا، للمشاركة في الملتقى.

التشكيل المغربي

تميزت الحركة التشكيلية في المغرب بحالة من الانتعاشة والنشاط الواضحين؛ إذ أقيمت العديد من المعارض الفردية والجماعية، لعدد من الفنانين من مختلف الدول العربية، كان على رأسها سمبوزيم أصيلة الذي جمع العديد من القامات في التشكيل العربي، وعدد من المعارض الجماعية التي شهدت الكثير من الأعمال المميزة لكبار التشكيليين، وإن كانت الهموم والقضايا الفكرية هي المهيمنة بشكل واضح على معظم الأعمال المعروضة.

وعلى صعيد الأعمال النقدية للفنون التشكيلية، برزت العديد من الكتابات النقدية للكتاب المغاربة، التي قاربت المنجز التشكيلي المغربي وأوضحت أوجه جماله، ومنها “المنجز التشكيلي في المغرب- روافد وسمات” لإبراهيم الحيْسن، و”قراءات في التصوير المغربي المعاصر” لبنيونس عميروش، و”الفن في أفق ما بعد الحداثة- التشكيل المغربي نموذجاً” لمحمد الشيكَر، وإن كان المنجز النقدي، كما هو الحال عليه في الدول العربية الأخرى، غير قادر على مواكبة المنجز الإبداعي والفني.

على صعيد الأعمال النقدية للفنون التشكيلية، برزت العديد من الكتابات النقدية للكتاب المغاربة، التي قاربت المنجز التشكيلي المغربي وأوضحت أوجه جماله

التشكيل السوداني

رغم المعوقات الكثيرة في طريق الفن التشكيلي السوداني، إلا أن العام المنصرم شهد فعاليات فنية كثيرة كان من أبرزها معرض “أبيض وأسود” للعام الخامس على التوالي، وهو معرض جماعي جرت العادة على أن يقام سنوياً في المركز الثقافي الفرنسي بالخرطوم.

كما شهد مركز راشد دياب للفنون ثلاثة ورش: سلمان المالكي من قطر في التلوين، وسيلفيا كوستا من بانما في الفن المفاهيمي، إريكا بارهو إدي من أسبانيا في التصوير الفوتوغرافي، وهو مجهود شخصي من الفنانين؛ ففي ظل غياب تام من وزارة الثقافة والجهات الحكومية لا يزال الفن التشكيلي في السودان مهمشًا من قبل الجهات الرسمية في الدولة.

إبداعات عربية

سيطرت حالة من الركود على المشهد التشكيلي في ليبيا هذا العام جراء الصراعات السياسية الدائرة بها، بعد أن شهدت تفجيرًا لطـاقـات ومواهب فنــية مميزة إبان الثورات، لتبرز عدد من التجارب الفنية الفردية التي تأثرت بالحرب وأهوالها في الأعمــال التي قدموها، وإن كــان من أبرز الفعاليات المعرض الذي أقامته “منظمة أساطير الأولين الدولية” للحفاظ على المدن التاريخية بمقر المبادرة الوطنيــة بنغازي تحــت شعــار “من أداة الحرب نصنع السلام”، والذي شــارك فيه عدد من الفنــانين التشكيليين منهم علي الوكواك ومحمد الترهوني ومحمد السني وخالد الصديق.

من جهة أخرى، شهد الفن التشكيلي في تونس حالة من الانتعاشة، وكان على رأس الفعاليات المعرض الدولي “أنا تونس” الذي ضمّ نخبة من كبار الفنانين التشكيليين في العالم العربي، وصل عددهم إلى ما يقرب من 60 فنانا، والذي جاء تأكيدًا على قيم الحداثة والمعاصرة، فيما أنجز مجموعة من الفنانين التشكيليين بمدينة المنستير ثماني جداريات عملاقة، ضمن الدورة الثانية لمهرجان “منستير اين” الذي نظمته الغرفة الفتية العالمية بالجهة بالتعاون مع جمعية أزرقنا الكبير بالمنستير.

لوحة: ياسر صافي

وشهدت الإمارات الدورة السابعة من “فنون أبو ظبي”، الذي قدّم أعمال مجموعة من الفنانين الجزائريين، لجذب الأنظار نحو المحتوى الفني والثقافي للفن التشكيلي بالجزائر، فضلًا عن استعراض محتوى كتاب “الفن في الإمارات” الذي يوثّق لسيرة الفنون التشكيلية في الإمارات، والذي صدر خلال العام الحالي، بالإضافة إلى عرض مجموعات متميزة من الإبداعات الفنية والثقافية لفنانين إماراتيين. أيضًا، يعد برنامج “الفنان المقيم” من أبرز الأنشطة الثقافية والفنية في الإمارات، والتي يستضيفها “مجمع الفن في أبو ظبي”، إذ شهد البرنامج في هذا العام استضافة فنانات تشكيليات من دول مختلفة، قاموا بتنفيذ معارض تشكيلية عبرن فيها عن رؤيتهن الفنية واستقطبت أعمالهن الجمهور والنقاد.

وفي السعودية، شهد هذا العام الدورة 11 من مهرجان الدوخلة السعودي، الذي نظمت فيه لجنة الفن التشكيلي العديد من الفعاليات الفنية، كالمعرض التشكيلي والنحت بالرمال والرسم ثلاثي الأبعاد على الأرصفة وفن الآيربروش، لتصل مشاركات هذا العام إلى 135 عملا فنيا تشكيليا مختلفة الأساليب والمدارس من فنانين تشكيليين من دول عربية عدة.

فيما شهدت بيروت معرضًا بعنوان “جسر نحو فلسطين”، شارك فيه العديد من الفنانين التشكيليين العرب، الذين سعوا من خلال أعمالهم التشكيلية والفوتوغرافية والتجهيزية، إلى التخفيف من الخلل الذي يشهده الفن الفلسطيني المعاصر، بتوثيق الفنون المعبرة عن آرائهم.

وفي عُمان، نظمت الجمعية العمانية للفنون التشكيلية ملتقى الفنانين التشكيليين الدولي بعنوان “وطني لوحتي”، بهدف تبادل الخبرات وطرح كل ما هو جديد على الساحة التشكيلية بمشاركة 100 فنان تشكيلي، فيما شهدت الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية الملتقى التشكيلي العربي بمشاركة عدة فنانين تشكيليين من دول عربية مختلفة، منهم 22 فنانًا من عمان عمدوا إلى محاكاة أوجه الجمال المختلفة في بلدهم.

ومن أبرز التجارب التشكيلية، “سمبوزيوم الأصمخ الدولي للفنون في دولة قطر”، التي شارك فيها ما يقرب من 45 فنانًا تشكيليًا، ينتمون إلى 26 دولة، بلوحات تعكس الانطباعات الفكرية والفنية لفنانين من بيئات ودول مختلفة.

أيضًا، شهدت اليمن معرضا للفن التشكيلي حمل عنوان “أجنحة الحلم” لمجموعة من الفنانين التشكيليين، عبّروا في لوحاتهم المختلفة التي تنوعت ما بين التجريدية والرمزية والواقعية والفن المعاصر عن الواقع والأوضاع التي تعيشها بلادهم.

11