الفنانون الجدد: الفن في مصر ميراث عائلي

ما بين قناعة أرساها حفيد الفنان بيكاسو، بتأكيد أنه قد يمتلك معرضا للسيارات، لكن لا يمكنه أن يكون فنانا مثله، لأن الفن لا يورّث، وبين واقع مُغاير في مصر التي يؤمن فيها أبناء وأحفاد الفنانين بأن الفن يأتي بالتوريث أحيانا، بدأ الحديث يتزايد حول تكريس هذه الازدواجية، وهو ما ظهرت تجلياته في تزايد نسبة المشاركة في الأعمال الفنية، تمثيلا وإخراجا.
الأربعاء 2017/09/27
ابن مصطفى قمر "عوام"

القاهرة – من الطبيعي أن يكون ابن الطبيب طبيبا وابن القاضي قاضيا في مصر… وهكذا، لكن ليس من المقبول بسهولة أن يصبح ابن الفنان فنانا، حتى لو تمت تهيئة جميع الظروف أمامه، لأن القضية تتجاوز حدود الواسطة، وكم من أبناء فنانين دخلوا مجال آبائهم وأخفقوا، بل ربما تحول الأمر إلى عقدة، عندما يتم وضع الابن في مقارنة مع أبيه قد لا تميل إلى صالحه.

قال البعض من النقاد إن ظاهرة “توريث الفن” لم تنجح خلال الأعوام الماضية لأن معظم أبناء الفنانين فشلوا في أن يكونوا نجوما للشباك مثل آبائهم، ولم يتميز منهم سوى عدد قليل، لأن الفن والقبول والموهبة يصعب توريثها.

مساع فاشلة

يرى الناقد الفني طارق الشناوي أن مساعي أغلب النجوم لتوريث الفن والموهبة والشهرة لأبنائهم فشلت، خاصة مع ظهور نماذج مثل الفنان محمد رمضان الذي استطاع أن يحقق نجاحات كبيرة في السينما والدراما، متفوقا على منافسيه من أبناء النجوم، ما يؤكد أن الفن لا يورث ولا علاقة له بالنشأة، فرمضان خرج من أسرة بسيطة ولا تنتمي إلى الوسط الفني. وأكد الشناوي لـ”العرب” أن سيناريو التوريث يشق طريقه دون أن توقفه أي ثورة أو تغيرات، ولا يزال يسيطر على المشهد العام للدراما والسينما.

وجدد ياسين نجل الفنان أحمد السقا الجدل مؤخرا بشأن هذه القضية بعد قراره خوض تجربته الأولى في مجال التمثيل، من خلال مسلسل “عائلة الحاج نعمان” الذي يقوم ببطولته الفنان السوري تيم حسن، ومقرر عرضه الشتاء المُقبل، ويجري تصويره حاليا في القاهرة.

ابتهال الصريطي: في الفن لا يمكن أن يرث الابن مهنة أبيه دون أن يكون موهوبا

شارك ياسين والده، في التاسعة من العمر، في فيلم “ابن القنصل” بطولة السقا والراحل خالد صالح وغادة عادل، بمشهد يجسد مرحلة طفولة أحمد السقا بناء على طلب المخرج عمرو عرفة، بعد ملاحظته وجود شبه كبير بينه وبين أبيه.

وينطبق الأمر نفسه على رابي نجل الفنان عمرو سعد، الذي لجأ إليه صنّاع مسلسل “ولد فضة” لتجسيد مرحلة الطفولة للبطل، واستعان به والده أيضا في مسلسل “وضع أمني” الذي عُرض رمضان الماضي، ومؤخرا تم التعاقد مع رابي على المشاركة في مسلسل “عائلة الحاج نعمان”.

وبدأ تيام نجل الفنان مصطفى قمر الذي شارك والده وهو طفل في فيلم “بحبك وأنا كمان”، و”حبك نار”، احتراف الفن بعد أن تخطى عامه الثامن عشر، وقام بمشاركة الفنان مصطفى شعبان في مسلسله “أبو البنات”، وهو ما تكرر مع والده مصطفى قمر حين أشركه معه كضيف شرف في أحدث أفلامه “فين قلبي”.

وأوضح مصطفى قمر في تصريحات سابقة، أنه لم يساعد نجله قط في التمثيل، وترك له حرية اختيار المجال الذي يرغب فيه، لافتا إلى أنه أصبح اليوم يحظى بشعبية كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي تنافسه هو شخصيا.

أما قسمت ابنة الفنانة داليا البحيري فظهرت في عالم التمثيل برفقة والدتها في الجزء الأول والثاني من مسلسل “يوميات زوجة مفروسة أوي”، ورغم ندرة مشاهدها حققت الطفلة شهرة وشاركت أخيرا في حفل أزياء خاص بالأطفال وارتدت ملابس زفاف.

ورغم الانتقادات التي تواجه أبناء الفنانين مؤخرا واتهامهم بالتواجد في المجال الفني عن طريق “المحسوبية”، إلاّ أن الأمر مُختلف لدى من أكدوا امتلاكهم لمواهب حقيقية، مثل دنيا وإيمي سمير غانم، بنتَيْ الفنان سمير غانم والفنانة دلال عبدالعزيز، وأحمد فاروق الفيشاوي، وهيثم أحمد زكي، وكريم محمود عبدالعزيز، ومحمد عادل إمام، وأحمد صلاح السعدني، ومنة شلبي ابنة الراقصة زيزي مصطفى، وحنان مطاوع ابنة الراحل كرم مطاوع والفنانة سهير مرشدي.

استثناءات ناجحة

شارك عمر الشناوي حفيد الفنان الراحل كمال الشناوي في بطولة مسلسل “الأب الروحي”، بطولة محمود حميدة، وحقق نجاحا ملحوظا، ثم توالت مشاركاته الفنية التي اختتمها الموسم الماضي بمسلسل “كلبش” مع أمير كرارة.

أحمد جمال سعيد حفيد فريد شوقي وهدى سلطان من أكثر النجوم الصاعدة نجاحا دون الاعتماد على أسماء ذويها، وأدى العديد من الأدوار المميزة التي نالت استحسان الجمهور والنقاد، بينها دوره في مسلسلات “رأس الغول” و”سقوط حر” و”الأب الروحي”.

داليا البحيري.. نسخة مطابقة للأصل

وقدم عبدالرحمن نجل الفنان محمد فؤاد في مسلسل والده “أغلى من حياتي” دور محمد فؤاد وهو صغير، وسبق أن شارك والده في فيلم “غاوي حب”، كذلك فعل الفنان إدوارد الذي قدم نجله مارك، 10 سنوات، في فيلم “كلام جرايد” وقبلهما الفنان أحمد زاهر الذي قدم ابنتيه ملك وليلى في الجزأين الثاني والثالث من فيلم “عمر وسلمى”.

ابتهال الصريطي، ابنة الفنان سامح الصريطي والفنانة نادية فهمي، قالت “إن الإنسان يمكن أن يرث مهنة والده حبا أو كرها، ويؤدي عملا ما قد لا يحبه، لكنه في الفن تحديدا لا يمكن أن يرثه ويسير فيه دون أن يكون موهوبا، وإذا لم يقبله الجمهور لن يكون له وجود حتى لو كان والده مخرجا أو كاتبا، يخصص له أفضل الأدوار”.

كل هؤلاء منهم من نجح ولفت الأنظار وأثبت أن البيئة تلعب دورا مهما في تشكيل وعي الإنسان، وعلى الأقل تهيء له الفرصة لدخول المجال الذي يكون قريبا منه، وهناك من طواه النسيان، لأنه يفتقد الموهبة والاجتهاد فلم ينفعه انحداره من أسرة فنية أو استفادته من تراثها المتراكم.

الفنانة سارة سلامة، ابنة أحمد سلامة، أوضحت “لا أنكر أنني ورثت الفن عن والدي وتعلمت منه حب الفن، لكنه لم يكن ذلك بإرادته أو إرادتي، فالفنان آخر إنسان يمكن أن يقرّر أن يرث مهنة أبيه، ونحن لا ندرك ذلك إلاّ بعد العمل بهذه المهنة، وما نجده فيها من صعاب وعراقيل وتوتر وقلق دائمين، وبالتالي لا يريد أي فنان أن يضع ابنه أو ابنته في هذه المواجهة الصعبة، إلاّ إذا فرضت الموهبة نفسها”.

والتوريث أو الامتداد الفني لا يتوقفان على التمثيل، ففي مجال الإخراج برزت بعض الأسماء أمثال خالد الحلفاوي، نجل الفنان نبيل الحلفاوي، وشادي يحيى الفخراني وأحمد سمير فرج وأحمد شاكر خضير ورامي عادل إمام وأحمد نادر جلال ومروان وحيد حامد.

ولفتت الناقدة ماجدة خيرالله إلى أن مهمة الأب أو الأم الفنانين، تنتهي بتقديم الفنان الابن للجمهور ليواجه بعدها مصيره، فإما يستمر ويصبح نجما، وإما يختفي فورا ويبحث له عن مهنة أخرى”.

16