الفنانون العرب قضية كل موسم رمضاني في مصر

مشاركة الفنانين العرب في أعمال فنية مصرية، قضية تثار كل عام تقريبا في موعد الدراما الرمضانية، أو عندما يقترب التجهيز والتحضير لها، وخلال الأيام الماضية تصاعد الجدل حول هذه المسألة، لأن عددا كبيرا من الأستديوهات أصبح مشغولا بأعمال رمضان المقبل، “العرب” استطلعت رأي بعض النقاد الفنيين المصريين في المسألة، فكان التباين في المواقف بين رافض ومرحب.
الجمعة 2016/01/29
تختفي الجنسية أمام قوة الإقناع

انقسم موقف النقاد الفنيين حول مشاركة الفنانين العرب في أعمال فنية مصرية بين رفض البعض لما وصفوه بالتوغل العربي في الأعمال المصرية، لما له من تأثير على الأدوار المسندة للفنانين المحليين، في حين يرى آخرون أن معايير اللعبة الفنية في الوقت الحالي يتحكم فيها البعد الاقتصادي المتعلق برغبة شركات الإنتاج والتسويق العربية في الاستعانة بنجوم من جنسيات متنوعة، للاستفادة من شعبيتهم في كل دولة بهدف تحقيق ربح جيد، علاوة على أن الأمر لم يعد يسير في اتجاه واحد، كما كان في السابق، حيث يشهد العديد من الأعمال العربية مشاركة فنانين مصريين في السنوات الأخيرة.

وزير الثقافة المصري حلمي النمنم أدرك هذه الأهمية، فعقد في أواخر شهر أكتوبر من سنة 2015 المنقضية لقاء مع وفد ضم مسعد فودة رئيس اتحاد الفنانين العرب، وعددا كبيرا من الفنانين من سوريا والمغرب وليبيا والسعودية والسودان ولبنان، لبحث تعزيز التعاون الثقافي والفني العربي.

وشدد وزير الثقافة المصري على أهمية الرسالة التي يحملها الفنان العربي في تنمية الفكر وتعزيز الانتماء، وإعادة إحياء القيم الأصيلة وتنمية الإبداع، وحمّل الوزير الفنانين العرب مسؤولية نشر التنوير ومدّ جسور التآخي بين شعوب المنطقة العربية عن طريق الأعمال الفنية والدرامية والتلفزيونية والسينمائية والغنائية.

عصر القنوات المفتوحة

الناقد الفني المصري طارق الشناوي اعتبر الأمر طبيعيا لأننا نعيش في عصر القنوات الفضائية، التي تبث في جميع دول العالم ويشاهدها الجميع، سواء عربيا أو عالميا، ما يجعل تنوع جنسيات الفنانين المشاركين في الدراما مرتبطا بالمعادلة الاقتصادية وجذب المشاهدين.

وأكد في تصريح لـ”العرب” أن وجود الفنان العربي في الدراما المصرية أو الفنان المصري في الدراما العربية، أمر مجد، منتقدا قرارا سابقا لنقيب المهن التمثيلية في مصر أشرف زكي، بتقنين عمل الفنانين العرب، لأن مشاركتهم في أعمال مصرية تضيف إليها ميزات، بشرط أن تكون الأدوار مناسبة لهم وفي سياق الدراما والأحداث.

النمط الواحد في الفن نوع من الجنون، لأن القيمة المضافة تكمن في اختلاف نوعية الممثل بثقافته وموهبته وخبراته

وضرب الشناوي مثلا، بالدور المهم الذي جسدته الفنانة اللبنانية ورد الخال، في أحداث مسلسل “نكدب لو قلنا مبنحبش” مع النجمة يسرا، ومثلت دور سيدة لبنانية، ما ساهم بشكل كبير في ترويج المسلسل وانتشاره، بعكس دور الأردني منذر رياحنة في مسلسل “العقرب” الذي لم يكن ملائما له على الإطلاق، خاصة لهجته الأردنية التي غلبت على اللهجة الأصلية للشخصية التي يجسدها، وهي شخصية رجل من البادية فكان من الأفضل أن يجسد هذا الدور فنان مصري.

وحول ما يردده البعض من أن سبب الإقبال على الفنانين العرب هو انخفاض أجورهم مقارنة بنظرائهم المصريين، قال الشناوي إن الفنان العربي كان يقبل في فترة ما العمل بأجر قليل بهدف إقناع المنتجين به، فمثلا الفنان السوري جمال سليمان قدّم في عام 2006 مسلسل “حدائق الشيطان” نظرا إلى رغبة الفنانين المصريين في تقاضي أجور مرتفعة، ما جعل منتج العمل يستعين به بأجر أقل نسبيا، لكن حاليا اختلفت المسألة بسبب العوامل التسويقية الخارجية التي تفضل في كثير من الأحيان الفنان العربي على المصري.

مشكلة اللهجة تداركها أغلب المخرجين بحيل درامية مقنعة، مثلما حدث مع الفنانة اللبنانية سيرين عبدالنور، التي تحدثت بلهجة مصرية ممزوجة باللبنانية، في مسلسل “سيرة حب”، وبرر المخرج ذلك بأن الشخصية من أم مصرية وأب لبناني، لذلك فإن أيّ إخفاق يتعلق باللهجة، يجد المشاهد مبرره عندما يعود إلى جذور سيرين.

أكدت الناقدة الفنية المصرية ماجدة خيرالله، أن المصريين أنفسهم قد يصعب عليهم إتقان بعض اللهجات المحلية، كما أن اللهجة نفسها لا تمثل مشكلة في طرح القضايا المصرية، مدللة على ذلك بالفنان الأردني إياد نصار الذي نجح في إجادة تجسيد شخصية حسن البنا في مسلسل “الجماعة” والعديد من الأدوار الأخرى.

وترى خيرالله أن النمط الواحد في الفن نوع من الجنون، حيث يجب أن يكون وسيلة للتعبير عن الجميع، لأن القيمة المضافة تكمن في اختلاف نوعية الممثل بثقافته وموهبته وخبراته، حيث ذلك كله يضيف إلى العمل الفني قيمة أعلى.

اختلفت المسألة حاليا بسبب العوامل التسويقية الخارجية التي تفضل في الكثير من الأحيان الفنان العربي عن المصري

ثراء وتنوع

يؤمن الناقد الفني المصري نادر عدلي بدوره أن استعانة الأعمال الدرامية بالفنانين العرب بجنسياتهم ولهجاتهم الحقيقية، نوع من إثراء العمل وتنوعه، لكن هناك بعض الفنانين يجتهدون للتحدث باللهجة المصرية، وقد نجح أغلبهم في ذلك، كما فعل جمال سليمان وإياد نصار، وكذلك هند صبري التي مثلت دور فتاة صعيدية في فيلم “الجزيرة”، وبالتالي فهم يجدون اليوم ارتياحا أكبر لدى المشاهد المصري.

وقال عدلي لـ“العرب” إن اتساع الإنتاج الدرامي منذ عام 2012 مع تراجعه كثيرا في سوريا، نظرا للظروف السياسية هناك، جعل من وجود الفنان العربي أمرا ضروريا لشغل مساحة تفتقدها الشخصيات الدرامية الكثيرة، لافتا إلى أن المنتج الرئيسي للدراما في العالم العربي حاليا مجموعة شركات لبنانية وأردنية وخليجية، وبالتالي فهي تطلب بشكل مباشر أن يتضمن العمل الفني أكثر من جنسية عربية.

وأضاف أن وجود الفنان العربي إضافة للدراما المصرية بالتأكيد، لأنه يكرس مكانة القاهرة كمركز للثقل الفني الذي يخرج منه أي فنان أو مخرج أو مصور، جازما بأن الوجود العربي في الفن المصري هو المنقذ الوحيد للخروج من الدائرة الضيقة للإنتاج.

وجاءت أهمية هذا الاتجاه، بعد ظهور منتج غير مباشر يتمثل في شركات الدعاية والإعلان العربية، التي بدأت تفرض نوعيات معينة من الدراما والممثلين أيضا.

في رأي الناقدة الفنية المصرية حنان شومان، أن جنسية الممثل تتوارى عند نجاحه في تجسيد الشخصية دون مبالغة، بالإضافة إلى أن الدراما المصرية أصبحت الملاذ الوحيد أمام الفنانين العرب، خاصة دراما رمضان لأنها الفرصة الأكبر لظهور هؤلاء الفنانين في أعمال جيدة تستحق المشاهدة.

وتظل المقارنة قائمة من وجهة نظر بعض النقاد بين النجم العربي ونظيره المصري، لأن النجم العربي يسبح دوما في رحاب الشخصية التي يؤديها دون النظر إلى مساحة دوره على الشاشة، باحثا عن الدور الذي يضيف إلى رصيده الفني.

وفي سبيل ذلك لا يُمانع في أن يظهر وسط عدد كبير من النجوم في عمل واحد، أما النجوم المصريون فتُرسم لبعضهم شخصيات تتناسب مع حجم نجوميتهم، حيث يتصدر النجم المشهد دوما حتى وإن أثر ذلك على الحبكة الدرامية، إذ يجب أن يكون النجم هو البطل الأساسي في أي عمل، بالإضافة إلى أن أعمال النجم المصري تُباع باسمه، لذلك فإن بعضهم يتقاضى أجرا قد يصل إلى ثلث ميزانية العمل مكتملا.

أما أعمال النجم العربي فتُباع باسم كاتبها ومخرجها، فنجد إياد نصار مثلا يبدع في عمل كبير بحجم “موجة حارة” أمام عدد من النجوم المصريين وأيضا البطل الرئيسي في رواية الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة “منخفض الهند الموسمي”.

أما مشاركة الفنانين المصريين في أعمال عربية فيقلل البعض من أهميتها، باعتبار أن من يشاركون فيها ممثلون من الصف الثاني لجأوا إلى ذلك بحثا عن الظهور والانتشار، نتيجة توقف نشاطهم الفني تقريبا في مصر.

17