الفنان آدم حنين راهب النحت على الأحجار

الأحد 2016/01/17
منحوتات لآدم حنين: مؤثرات حديثة وأخرى قديمة

للبدايات وقعها على تجربة الفنان، فهي تحمل دائماً بذور هذه التجربة ومخاضها الأول، وربما تحدد أيضاً الكثير من قناعات الفنان وتوجّهاته فيما بعد.

يدرك الفنان المصري آدم حنين ذلك الأمر وهو يعود بالذاكرة إلى الوراء مسترجعاً ذلك اليوم الذي وقعت عيناه فيه لأول مرة على تلك المنحوتات الحجرية المعروضة في المتحف المصري.

كان طفلاً لم يتمّ بعد عقده الأول، حين زار ذلك المتحف في رحلة مدرسية. هو يتذكر كل التفاصيل: ملمس الأحجار، رائحة المكان، ضآلة حجمه في مواجهة كتل الجرانيت والبازلت، عيونه المفتوحة على مصراعيها بالدهشة، دهشة مازالت تلازمه حتى اليوم، وتغزل علاقة ما بين أعماله النحتية وتلك التماثيل التي رآها في ذلك اليوم بين جدران المتحف.

في حوارنا معه، يقول آدم حنين “كنت طفلاً صغيراً أحب اكتشاف الأشياء حين اصطحبنا مدرس التاريخ إلى المتحف المصري، وهناك رأيت لأول مرة تلك التماثيل الحجرية الضخمة، وانبهرت بالرسوم والكتابات المنقوشة على الحجر، خرجت من المتحف ذلك اليوم كالمسحور. لم تغب عن مخيّلتي أشكال التماثيل التي رأيتها، وكان أول تمثال صنعته بعد هذه الزيارة بأسابيع قليلة تقليداً مبسطاً لما رأيته داخل المتحف، كان تمثالاً من الصلصال أخذه والدي ووضعه داخل ورشته الصغيرة التي كان يمتلكها لصناعة الفضيات، وكانت فرحتي غامرة وأنا أراه يعرض ذلك التمثال على أصدقائه متفاخراً. صنعت بعدها تماثيل كثيرة من الطين ومن الحجر، ولكن يظل ذلك التمثال الصغير هو الشرارة الأولى التي منحتني ذلك الوهج”.

اختار الفنان آدم حنين الإقامة بعيداً عن صخب المدينة، الأجواء المحيطة بمحترفه ريفية الطابع، يزحف عليها عمران المدينة بكتله الخرسانية. حين تدخل إلى حضرة المكان تستقبلك مساحة واسعة من الخضرة تزينها أشجار اللارنج، وتتبعثر في أرجائها كتل حجرية وبرونزية تخدش حياء الفراغ بخشوعها وسطوة حضورها. هنا يعمل الفنان آدم حنين ويقيم بعد عودته من رحلته إلى أوروبا التي استغرقت من عمره قرابة ربع قرن.

يقول الفنان “بعد عودتي من أوروبا اخترت الإقامة هنا بعيداً عن صخب القاهرة، كان المكان هادئاً ولا يحيط بي سوى عدد قليل من بيوت الجيران والأصدقاء، بينما يتسع الفضاء لخضرة تمتد حتى الأفق، قبل أن تزحف هذه الكتل الخرسانية بهيئتها القابضة للنفس. أنا أحاول العمل بهدوء ودون صخب، فالنحت على الأحجار يتطلب قدراً من الصبر، وهو يعلّم التأمل والرويّة، ولقد حوّلت المكان إلى متحف لأعمالي، وهو متحف مفتوح لكل من أراد الزيارة”.

قبل التحاقه بالفنون الجميلة كان ذلك الولع بالنحت المصري القديم قد رسخ في وجدان الفنان آدم حنين وأصبح على يقين بأنه لا بدّ له أن يتتبّع أثر أجداده العظام، وأن يحاول هو الآخر استنطاق الأحجار كي تبوح بأسرارها

الإرث الفرعوني

العلاقة بين أعمال الفنان آدم حنين والفن المصري القديم هي علاقة تواصل وامتداد روحاني وعضوي، يتجسد ذلك في طريقة معالجته للشكل وفي اهتمامه بالوحدة العضوية للكتلة وعلاقتها بالفراغ، في ملمس الأحجار وانحناءاتها، وفي هذا القدر من التلخيص الذي يميز أعماله. في مواجهة الداخل إلى محترفه يوجد تمثال برونزي لثلاثة خيول تواجه جسداً نحيلاً لفتاة، ثمة لغة مشتركة بين الكتل الأربع، يبدو جسد الفتاة انسيابياً فلا تلمح لها أطرافاً، بل تكاد تشعر بها خلال الكتلة، فيداخلك شعور بالتوحد بين العناصر الأربعة المكونة للعمل، يتكرر الأمر مع تمثال آخر حجري للسيدة أم كلثوم، جسدها وانحناءات الثوب والانفعال البادي على ملامح الوجه المسكون بالشجن واللوعة، كلها تمثل وحدة متكاملة غير منفصلة، لا تكاد تميّز بينها التفاصيل والحدود المكونة للشكل.

يقول آدم حنين “أطراف الفتاة هنا في رأيي ليس لها أيّ ضرورة، أنا أحاول أن أصنع علاقة بين الخيول الثلاثة والأنثى، فأنا لا أصوّر فتاة بالمعنى المباشر بقدر ما أحاول التعبير عن ذلك الحوار، وهو ما ينطبق على تمثال أم كلثوم أيضاً. فالفنان لا يصور الشكل الذي أمامه حرفياً، ومن الممكن أن يكون الشكل خالياً من التفاصيل، فحين تتذكر أم كلثوم على سبيل المثال، من الممكن ألا تتذكر وجهها ولكن يبقى في داخلك ذلك الأثر الذي خلّفته: الصوت والمشاعر وحالة الدفء. نحن هنا أمام لغة أخرى لا تخاطب البصر وحده، بل تخاطب الأحاسيس والوجدان والانفعالات أيضاً، فالأشكال ترتبط في أذهاننا بالكثير من الانفعالات التي نحسّ بها وتذكرنا بلحظة الرؤيا، فأنت تتذكر شيئاً في الشكل وأنا أتذكر شيئاً آخر، وغيرنا أيضاً له تصوراته ورؤيته حسب ثقافته وخبرته الحياتية مع هذا الشكل”.

حوار مع المادة

وفي ما يتعلق بالعلاقة مع العمل الفني، وما إذا كان حنين يملك تصورا نهائيا له قبل البدء فيه، يشير إلى أن “المغامرة الفنية تملك في البداية تصوراً أولياً، وليس بالضرورة أن يكون كاملاً، فأنا أبدأ العمل في الشكل وخلال ذلك يحدث حوار بيني وبين الخامة، فأحجار الجرانيت على سبيل المثال تفرض عليك شكلاً معيناً وطريقة ما في التعامل معها، فهي لا تنكسر مثل الخشب أو الرخام ولا تتمتع باللّين مثل الطين أو الجصّ، فكل خامة تفرض عليك حواراً مختلفاً عن غيرها، والفنان يختار الخامة التي تتوافق مع قدراته وميوله، وبالنسبة إليّ فقد جربت خامات كثيرة، لكنّني أميل إلى التعامل مع الحجر”.

مشغل الفنان عالمه المنعزل ولكن المسكون بالعالم

قبل التحاقه بالفنون الجميلة كان ذلك الولع بالنحت المصري القديم قد رسخ في وجدان الفنان آدم حنين، وأصبح على يقين بأنه لا بدّ له أن يتتبّع أثر أجداده العظام، وأن يحاول هو الآخر استنطاق الأحجار كي تبوح بأسرارها. كانت عنده أحلام كبيرة وتصوّرات لما يمكن أن يقوم به، ومخزون بصري في غاية الاتساع، لذا فقد كان الصدام حتمياً مع ما تفرضه أجواء الدراسة الأكاديمية من مقررات لم تكن ترتقي لأحلامه ولا تصوراته.

يقول الفنان “في الكلية كانوا يتبعون منهجاً وضع وفقاً للتصورات الغربية، فكانوا يأتوننا على سبيل المثال بتماثيل على هيئة فينوس أو سقراط، ويطلبون منّا أن نصنع نسخاً منها، ولم يكن يعجبني ذلك بطبيعة الحال، فكنت أتعجّب لذلك الإهمال للفن المصري القديم وعدم وضعه كأحد مناهج البحث البصري، ونحن أولى بذلك، فهي حضارتنا وإرثنا اللذان نعتز بهما. كان ذلك الأمر مبعث امتعاض وألم بالنسبة إليّ، حتى أني ذهبت يوماً إلى عميد الكليّة، وكان يشغل عمادة الفنون الجميلة وقتها الفنان يوسف كامل وهو أحد الرواد المخلصين في تاريخ الحركة التشكيلية المصرية، وشكوت له ذلك، وكان يعرفني جيداً لأنّني كنت واحداً من الطلبة المميزين في القسم، فأبدى يوسف كامل تفهّماً لوجهة نظري، وأمر أساتذة قسم النحت بأن يوفروا لنا زيارات ميدانية إلى المتحف المصري من أجل دراسة الفن المصري القديم على الطبيعة”.

ويضيف آدم حنين “لم تشف هذه الزيارات ولعي بالفن المصري القديم أو دراسته كما يجب، فأخذت أبحث بين الاتجاهات الفنية السائدة على ساحة التشكيل المصري، لكنني وجدتها منقسمة على نفسها، فبعضها يتّبع النموذج الغربي ‘المودرن’، وبعضها الآخر يتمسح في الموروث والفن المصري القديم على نحو ضحل وركيك، فقد كان الكثير من الفنانين يفهمون الفن المصري على أنه نوع من التلخيص، ولكنهم كانوا يجهلون الهدف من وراء هذا التلخيص أو فلسفته. ثم تخرّجت في الكلية ولم يتم تعييني بها لأسباب إدارية متعسفة، وحصلت بدلاً من ذلك على منحة إلى مدينة الأقصر في جنوب مصر لقضاء عامين هناك، وهي منحة كانت تقدم لأوائل الدفعات، وكانت فرصة في الحقيقة لدراسة الفن المصري عن قرب.

حين ذهبت إلى الأقصر كانت الحياة هناك ما تزال كما هي على الفطرة، كنت أرى الصور المرسومة داخل المقابر، وأخرج لأرى نفس المشهد على الطبيعة، فبدأت أتعرّف عن قرب على الكيفية التي كان المصري القديم يترجم بها الأشياء من حوله. وكنت حينها أبحث لي عن هوية، وأفتش في داخلي عن بداية الطريق. وبدأت تزداد قناعتي بأنني مزيج من مؤثرات عدة، فأنا امتداد لهذا التراث العظيم، وفي الوقت نفسه لا أستطيع أن أغفل وجودي في عصر مختلف له طبيعته الخاصة ومقوماته المختلفة.

لقد ساهمت تلك الإقامة في التأكيد على ذلك التوجه الذى وضعته لنفسي، فهناك التحمت أكثر بما أنجزه المصري القديم، شعرت بمعاناته وتشبّعت بطريقته في معالجة عناصر ومفردات الطبيعة من حوله، عرفت القانون والإطار الذى يجب عليّ العمل من خلاله ، لذا حين ذهبت إلى أوروبا لم أكن مهتزاً أو متردداً، كنت أشعر أني أقف على أرض صلبة وقوية، لم أكن خائفا لأنّى أملك هويتي الخاصة التي أحتمي بها وألجأ إليها، غير أن هذا الأمر لم يمنعني مطلقاً من الاستفادة من معطيات الفن الأوروبي من نظريات ومدارس واتجاهات وطريقة في التفكير”.

الحياة في النوبة كانت أكثر محافظة على التقاليد الثقافية والفنية وثمة وشائج صلة مباشرة فيما بينها وبين الفنون والعادات المصرية القديمة في العمارة والأدوات والملبس وفي الطباع والسلوك العام لأهلها

نحو أوروبا

بعد أن أنهى الفنان منحة الأقصر حصل على منحة أخرى لدراسة الفن في ألمانيا، لمدة عام ونصف العام، وكانت الرحلة بمثابة أول احتكاك له بالغرب، يقول عن تلك الفترة “كنت أتوق بشدة إلى فكرة السفر إلى أوروبا، وكان ذلك الحلم يراودني منذ كنت طالباً في الكلية، وفي ألمانيا أعجبتني الدراسة إلى حد كبير، والتقيت هناك بأحد الأساتذة الألمان المغرمين بالفن المصري القديم. كانت فترة الدراسة فرصة لي كي أتعرف على الفن الغربي عن قرب، وأن أزور المتاحف الأوروبية، بدلاً من رؤية الأعمال في الكتب، وأن أتعرف على العقلية الغربية بدلاً من القراءة عنها، وعدت إلى مصر في عام 1960 بعد انتهاء الدراسة في ألمانيا، وانتقلت للإقامة في النوبة؛ وكان انتقالي للعيش في النوبة من أجل البحث عن بقايا الحضارة القديمة، فالحياة في النوبة كانت أكثر محافظة على التقاليد الثقافية والفنية وثمة وشائج صلة مباشرة فيما بينها وبين الفنون والعادات المصرية القديمة في العمارة والأدوات والملبس وفي الطباع والسلوك العام لأهلها. سكنت هناك في جزيرة وسط النيل وقضيت هناك وقتاً كافياً للتعرف على ثقافة أهل النوبة”.

مسار جديد

وحول سفره، مرة أخرى إلى أوروبا، واختياره باريس تحديدا، يقول “إن فكرة السفر إلى أوروبا مرة أخرى كانت تلحّ عليّ بين الحين والآخر، لكنني لم أكن أستطيع الإقدام على هذه الخطوة، حتى حدثت نكسة 1967، حينها كانت الأجواء مشحونة والناس كانت معبأة باليأس والهزيمة. لم يكن المناخ مناسباً في مصر وقتها لإنتاج الفن أو للبحث عن مسارات جديدة في التجربة، كانت الحياة شبه متوقفة والأجواء مكرّسة تماماً لفكرة الحرب والهزيمة ورد الاعتبار. لم أستطع الاستمرار في هذا المناخ، وقررت الذهاب إلى فرنسا لقضاء عام أو عامين ثم العودة إلى مصر من جديد، لكن السنوات أخذتني هناك وظللت في أوروبا حوالي 20 عاماً، كنت أقوم خلالها بزيارات متقطعة إلى مصر من وقت إلى آخر. اخترت الاستقرار في باريس لأنها أكثر فعالية من العواصم الأوروبية الأخرى في مجال الفن”.

وفي ما يتصل ببعض ملامح تأثير باريس عليه، قال إن وجوده في فرنسا أكسبه رؤية أوسع وأشمل للأشياء ولمعنى الإنسانية، فباريس تجمع فنانين من شتى الأطياف والاتجاهات والجنسيات، واحتكاك الفنان بهذا المناخ له أثر إيجابي على تجربته، فهو مناخ يولّد نوعا من المنافسة والتحدي والإصرار على التحقق. لقد كانت الحياة هناك صعبة ولكنها كانت جيدة.

آدم حنين: سافرت إلى أوروبا لأدرب مخيلتي

سمبوزيوم أسوان

بعد عودته للاستقرار في مصر كان في انتظاره سمبوزيوم النحت الدولي الذي يقام في مدينة أسوان، وقد أشرف عليه حتى وقت قريب، ولدى سؤاله عمّن كان صاحب فكرة هذا السمبوزيوم وماذا كان أثره، قال إنه خلال فترة وجوده في فرنسا كان على علاقة جيدة بالفنان فاروق حسنى وزير الثقافة الأسبق، وكان وقتها مديراً للمركز الثقافي المصري في باريس، وحدث في تلك الفترة أن شارك حنين في سمبوزيوم للنحت في يوغوسلافيا وعاد مبهوراً من هناك.

وتحدث حينها مع حسني حول أهمية وجود حدث مشابه في مصر، لعلمه بتراجع الاهتمام بالنحت على الأحجار هناك، وهو أمر غريب على بلد تُفاخر ليل نهار بصروحها النحتية. ففيما بعد ولدى توليه وزارة الثقافة تذكر فاروق حسني ذلك. يقول حنين “استدعاني فاروق حسني لأشرف على سمبوزيوم النحت الدولي الذي أصدر قرارا بإقامته، والذي اخترنا له مدينة أسوان في جنوب مصر ليكون قريبا من المحاجر نفسها التي كان يستعملها المصري القديم في جلب أحجاره، وهكذا تحقق الحلم. ولقد واجهتنا في البداية صعوبات كثيرة خاصة في التنظيم لكننا كنا نتغلب عليها. لقد أعاد هذا السمبوزيوم للنحت على الحجر قيمته وتقديره، وأصبح هناك جيل من الفنانين يمارسون النحت على الحجر بكل أنواعه، وهو أمر يردّ الاعتبار لهذا النوع من الفن.

نحت الأحجار

وحول ما إذا كان استبعاده من إدارة سمبوزيوم أسوان سببه غيرة البعض منه نفى الفنان ذلك معتبرا أنه لم يكن يشعر بشيء من هذا في الحقيقة، وعبّر قائلا “أنا فقط كنت شديد التركيز فيما أفعله، وكنت حريصاً على أن يخرج السمبوزيوم في كل دورة من دوراته أكثر تألقاً وفائدة للجميع. وأدعو الله أن يستمر السمبوزيوم كفعالية ضرورية من أجل إثراء الحياة الفنية في مصر، فليس من اللائق أن تفتقر مصر وهي مهد النحت على الأحجار إلى فعالية متخصصة في هذا المجال، وأنا سعيد بما تم إنجازه خلال السنوات السابقة بفضل هذه الفعالية الهامة، فقد أصبح لدينا متحف مفتوح للمنحوتات الحجرية في أسوان، وتم إثراء الحركة الفنية بالعديد من المثّالين الذين يعملون على الحجر”.

ما قد لا يعرفه الكثيرون أن الفنان حنين يمارس التصوير الفوتوغرافي أيضا إلى جانب ممارسته لفن النحت، يقول “النحت هو عشقي الأول والأخير، فهو أكثر ارتباطاً بالطبيعة، كما أن له علاقة مباشرة مع المتلقّي، عكس الرسم أو التصوير، لكنه فنّ يحتاج إلى الصبر والتأني، فأنا أجلس أمام العمل لساعات طويلة، ولكن في التصوير الأمر مختلف فوتيرة العمل تكون أسرع في نتائجها، وفي أحيان كثيرة أكون بحاجة إلى مثل هذه الوتيرة السريعة في التعبير، فألجأ إلى التصوير كنوع من الفصل أو الهدنة القصيرة”.

كاتبة من مصر

15