الفنان التشكيلي العراقي برهان صالح يحمي مجازاته برموز روحية

التشكيلي برهان صالح يرسم مشاهده وهي تتوسع في المكان بماهيتها ويشحنها بأسلوبه الذي يوفر من الدهشة عويلها ومن الاستغراب نبرته ومن الصور حركتها.
الاثنين 2021/07/26
الرسم يشبه ممارسة الطقوس

منذ القدم ارتبط الفن التشكيلي ارتباطا وثيقا بالعوالم الروحية، بل منها انبثقت أهم التيارات الفنية التي كانت تعبيرات دينية في نشأتها. ولئن انفصل الفن التشكيلي بمدارسه الحديثة عن الروحانيات الدينية والطقوس فإنه يعود إليها من منطقة أخرى أكثر وعيا ومرونة وقدرة على التكامل لخلق الرسالة الفكرية والجمالية، وهو ما نجده في أعمال الفنان العراقي برهان صالح.

منذ زمن ليس بالقليل وأنا أحاول الاقتراب من أعمال الفنان التشكيلي العراقي برهان صالح (1956 كركوك)، فكلما عزمت الرحيل إليها وحملت نفسي وقلمي ليكونا جواز سفري للغوص في فضاءاتها وجدت بعد ساعات من الإبحار أني وقلمي مازلنا صامتين في محرابها، و أنا الذي اعتدت الغوص بشبكة ناعمة لأعود بلآلئ وكنوز ثمينة في كل محاولة من محاولاتي.

عالم برهان صالح، وعلى نحو خاص في السنوات الأخيرة، مكتظ بمعالجات تتخطى مفاهيم العلاقة ما بين الألوان المضاءة بطموحات هي أقرب إلى السعي نحو نمط ما من التفكير في اللحظة الحاسمة وما بين تلمس معالم التراث وإدراك تحولاته.

عالم لامرئي

برهان صالح يبتني قائمة من دفقات دلالية لها طاقتها في انتشال خطابه من أزقة ضيقة

يدفع صالح بجذور ماضيه نحو السطح فيما يحمل رؤيته كإنسان باحث عن نفسه أولاً وعن تلك الأشياء التي تفقد مسوغ حضورها ثانياً وعن مسافات تمرّ بوعي في الذاكرة المفقودة، مقتربا من حركات تشبه الممارسات الطقوسية التي تجري في حفلات المريدين الدينية، حيث يطرح الفنان تساؤلات روحية قلقة تكاد تكون ملخصاً لإجابة كبيرة ربما كان يبحث عنها منذ سعيه لبلوغ الزمن ومعرفة لحظة اللقاء الذي يوقظ الماضي لديه بآفاق مختلفة.

يقدم الفنان ملخصاً لإجابة ترتبط بالضرورة باستخداماته الجمالية التي هي أشبه بأشرطة موسيقية، فيتحوّل عمله إلى ما يشبه دوائر حلزونية تحدد ملامح المرحلة لديه، فهو يتجنب الواقع كما يتجنب التجريد، وكذلك يتجنب عزل الصورة الإنسانية داخل إطار ما، وهذا التوجه الواعي يتخذ منحى ذا دلالات تعبيرية.

 ولعل استخدامه رقصة المولوية تعبير عن إدراك مفهومي لشيء حسي يحقق به فعل الفن كنشاط إنساني مستمداً أنموذجه من فلسفة التباينات اللونية ومتخطياً السماء التاسعة في التحليق دون أي تجاهل لمحور دوائره وهي تبرز لتضم مختلف النطاقات بما فيها الأكثر صفاء؛ فالحركة العذبة التي يخلقونها في التواصل مع السموات تلك وجعلها قريبة من تلك الشظايا للحقيقة المتفجرة هنا والعميقة هناك بإيحاءاتها المتداخلة وكأنها مساحات متموجة ذات إيماءات فيها الكثير من الاختزالات التعبيرية.

يتناول صالح خطوطا مفرطة في الأبعاد لاكتشاف آفاق فردوسية عبر وضع أسس لمفاهيم جمالية جديدة تنطلق من تولّد انفعالات جديدة، فيجعل ألوانه تتدرج بالكثافة الموضوعة على القماش، فليس هناك مواد غريبة عنده، كما لم يكن همه الوصول إلى استعارات رمزية فقط، ولا التعرف على الاختلاف في المرئيات، بل الانطلاق برؤى تلامس اللاوعي، تلامس تلك الأحاسيس المنطلقة من معطيات خاصة فيقبض عليها في فضاءاته كلها ثم يحررها لاحقاً للتناغم مع الإدراك البصري، وذلك مع الاستعانة بالسعي لاكتشاف حركة ذات مسار ملائم لعالمه اللامرئي متمسكاً في الغالب بالحالة الحاملة للقيمتيْن الفنية والروحية معاً.

الراجح أن صالح كان على قدر كبير من الوعي وهو يبتدع مجازاته التي تحتمي برموز لا تخفق في حضورها، بل تدرك ما تحمله من طاقات تقوده نحو ابتداع دلالاتها التي تكاد تعصف بكل ما يدفع بنصه/ منتجه نحو دروب أقلها تلك التي تفي بحاجتها الجمالية، فالناظر إلى طرائقه التي يلجأ فيها إلى الأساطير في توزيع مقاطعه الجمالية يشعر بأنه يقف معها على حواف موغلة في الزمن، أو لنقل في خيوطه التي تشد الماضي بجاذبية، وبرؤية تحتفي به وهي تروي حكاياه المقدسة.

أعمال تنطلق برؤى تلامس اللاوعي

الناظر هنا يتلبس الحال الذي ينشده صالح كنظام من داخل الفوضى، فعمله ليس تمجيداً للحياة فحسب بل يسمو عليها بإعلانه عن حقائق ما، لا تسليماً بالوصول المستمد نوره من عتباتها ورحابها، ففي لوحاته يتقاطع الواقع مع اللاواقع، والواقع مع الخيال، محتفلاً بشعرية خاصة وبإحياء بعدها الأسطوري على الأرض، ملتحفاً بالغياب وبجوانب صامتة لامرئية، وهذه من أكثر المظاهر استحضاراً في مكوناته من قاعها إلى سطحها كعمليات فيها تتجلى الإشارات إلى أشكال لا تعجز عن الارتقاءِ والحرصِ على التكثيف الدلالي.

انفعالات كاشفة

يرسم صالح مشاهده وهي تتوسع في المكان بماهيتها ويشحنها بأسلوبه الذي يوفر من الدهشة عويلها، ومن الاستغراب نبرته، ومن الصور حركتها وما لا يزحزح احتماءها بلحظات الاستدعاء للمدرك ودلالاته الذاتية، وباللامدرك وأبعاده التي ستنكشف بدورها عن القياس والتقريب، أو بمعنى أدق عن القياس الذي غايته التقريب، ليلغي الفنان المسافات والفواصل بين التحقق والعدم في صمته وسكونه حتى تبدو أغنية تنفذ إلى المجهول فينا، في حضرة الخلق والخالق.

إن تأمل أعمال برهان صالح بوصفها خطابا جماليا يمتثل لمقرراته سيكشف لنا عن ذلك الهدير الذي ينتجه، الهدير الذي لا سبيل إلى التخلي عنه، فهو يسهم إلى حد كبير في إيجاد حاجاته من اندفاعات لرؤى تنحدر من رؤيته التي تهفو إلى بلوغ سبل تحفل بلحظات انفعالية وبكل محاولاته في خلق مبنى ملائم لنصه والاعتناء به، ليكون ملائما لاحتضان مجمل تصوراته التي يشتغل عليها من تعميق وتطوير.

 من خلال تجسيده لتلك الانفعالات يطل الفنان على مناطق أشد عتمة وخفاء، ويشكل زمنا يبنيه باتساع رؤيته تلك، حتى تمتثل لحظة المكاشفة في حضرته كخالق، مهما كانت المرفقات ترمي باستعصاءاتها ومهما تكتمت عن أسرارها، فهو لا يحتمي بالجاهز من الصور واستعاراتها، ولا يكتفي باللجوء إلى مفردات لها دلالة واحدة، بل يبتني قائمة من دفقات دلالية لها طاقتها في انتشال خطابه من أزقة ضيقة، أو من دوائر لولبية، وإخراجها إلى الساحات المفتوحة، ربما ذلك وحده يفي بحاجته الجمالية التي ينشدها. ولا استحالة في ذلك؛ فهو فنان مجتهد له كل الرغبة، بل كل الفعل، في تأسيس دائرته الفنية والارتقاء بها مستنهضاً المتلقي لمناصرتها.
 

14