الفنان التشكيلي العراقي فؤاد حمدي يترحل إلى الدواخل

الفن المعاصر يعوّل على رحابة الأسلوب من خلال عامل مختلف من الرموز.
الأحد 2020/07/12
أماكن خلف الجدران

يقحمنا الفنان العراقي فؤاد حمدي من خلال لوحاته في عوالم مدهشة من التشكلات والظلال والجدارات والخطوط والانحناءات، وكأننا ندخل إلى دهاليز ملونة حاملين مشاعل الضوء، فكل لوحة من لوحاته دهشة أخرى تخترق قشرة الكائن لتصل إلى جوهره وكنهه وحالاته على تعددها.

حين تأجَل معرض الفنان العراقي فؤاد حمدي بغاليري “ذي باي” بهاملتون – كندا، بسبب الوباء، كان يحقق نبوءة ثاوية في لاوعي خفي للأعمال القادمة من ذاكرة الترحّل وملاحقة الأمكنة والوقت وظلال الناس. هو القادم من سفر طويل أخذه من بغداد إلى دمشق، ومن دمشق إلى إسطنبول، ومن إسطنبول إلى هاملتون.

لم يكن خروجا من المرتع والمعبر الأليف إلى الصقع البارد فقط، هو المسكون بدفء الداخل، وإنما كان خروجا من الوقت وهندسة مواعيده ومفارقة للوقائع الثابتة المستكينة إلى بداهاتها، إلى الارتباك المؤبد، وإلى الظلال المتنامية والآثار الهاربة. لذلك لم يكن غريبا أن يستعير من الذاكرة الضاجة بالحروب والهجرات والحصارات، جدرانا متنقلة، تحفظ هشاشة الجسد والأعضاء، من الاستنقاع في التشظي، وأن يصطنع ما يشبع قوقعة متنقلة لكائناته الأثيرة.

كتل مشكلة

عزلة تشبه الضمير الخفي
عزلة تشبه الضمير الخفي

يبدو أن فؤاد حمدي، الذي استعادته لوحة مفردة من جفاف عابر، صيف 2018، لم يكن ليستسلم لدفق الإنجاز الممتد عبر العشرات من اللوحات في تجربته الجديدة، لولا إحساس لاعج بالانتقال إلى ضفة مختلفة في الأداة والأسلوب، تشتغل على المنظور والظل بنحو اختراقي، وتعيد تكوين مجسمات الضوء والألوان والخلفية، ومساحات الكتل والأعضاء في متن اللوحات المتراسلة؛ هي مزيج من تعبيرية مستحدثة بنفس سريالي، ومثال لتخطي القواعد، وأصوليات الحداثة لدى الفنان المعاصر، حيث “الما قبل” و”الما بعد”، بالنظر إلى الفضاء والوقت والسفر، حاسمان في تمثل المفاهيم والصيغ والانحيازات تجاه اللون والضوء وأشكال السند.

في اللوحة المفتاح ينبت وجه (أو قناع) من جدار ينفث من فمه دخانا سحريا، يكتسب ألوانا ملتبسة بمقامات بعضها بعضا، ينبهق منها الأزرق والوردي والقرمزي والأخضر والبنّي، مشكّلة وجها عاتيا لكائن خرافي، مختصر في مجرد رأس، مشرئب إلى الظل المنسكب من الوجه (القناع) النابت من السطح البنّي.

الظل منثن على الأرضية السماوية المخططة، البادية كشعاع طافر من العمق، زاحف إلى صفحة الجدار المقابلة. ظلّ داكن يشكّل ما يشبه فانوسا، له مبسم وجه، فيتخايل الرأس الملوّن أشبه ما يكون بمارد فانوس السّحري. تُراه ذلك المارد الذي سيطلق الكائنات المشطورة المركّبة من أعضاء مستعارة لبشر وحيوانات وطير في اللوحات المتلاحقة؟ محتمل. إنما الأكيد أنها العتبة الفنطازية الأولى لاختيار تكويني منحاز لطبقات لونية متراكبة، شفافة، ومسكونة بالضوء، ومنظور مخاتل، وظل يبدو كشيء حقيقي له ظلاله المضافة.

في المجموعة الأولى، من معرض فؤاد حمدي، تتجلى التخطيطات المرسومة في الجدران، لأجساد مختصرة، متوجة برؤوس/ أقنعة ناهضة، بعيدة عن إيحاء الظل المرئي. تبدو أقرب ما تكون لأثر أجساد امّحت، وبقي مكنون رؤية الفنان لها؛ ضامرة ومضمومة ولدنة تلتبس بانحناءات الزوايا الخرساء والصلبة وتنغرس فيها، تكوين يذكرنا بمقولة ميرلو- بونتي “يبدو المرئي من حولنا وكأنه يقوم بذاته. لكأنّ رؤيتنا قد تشكلت في صلبه أو كأنه كان ثمة بينه وبيننا ألفة جد حميمة كالتي بين البحر والشاطئ” (المرئي واللامرئي، ص 214).

في أغلب لوحات هذه المجموعة يبدو هذا الروشم البصري ثابتا، يرنو إلى الكتل المشكلة في البؤرة والعمق، كشاهد ورقيب أو ضمير خفيّ، يتأمّل في تحولات الكتل وتشطيرها الصاعق؛ في إحدى اللوحات يطالعنا جسد بلا رأس ولا ساقين تندلق من جوفه الفارغ كرة تشبه قناعا دائريا، تنعم النظر في الطيف الناهض في الخلفية، الملون بالأزرق السماوي والأصفر والأخضر، مثل مارد رخو، من دخان أو ضياء، تجسر ظلاله المسافة مع الجسد المجزوء، محكية كابوسية تتفاعل تحت أنظار الأثر المنغرس في الجدار، برأسه البني وجحوظ عينيه.

في لوحات أخرى تطالعنا الأجساد البشرية والحيوانية مختصرة، مشطورة أو مضمومة، منغرسة في الجدران الصلدة الملساء، مأخوذة بظلالها المضاعفة إلى بؤرة خادعة، توحي أعمال الفنان، المقتلع من مرتعه، بأن لا حقيقة إلا في الوجه، لهذا نتحدث دوما عن “أوجه الحقيقة” لا عن أجسادها، بينما تتجلّى الأجساد مجوّفة، مفرغة من أحشائها/مضمراتها الدالة، متماهية بالأردية، ملتحمة بأعضاء غريبة عنها، مستعارة من حيوانات وطيور وكائنات بحرية، وأخرى خرافية. فالجسد إيهام يلتبس بإحالاته، هو تلك الظلال الممتدة من إدراكنا لعمق الشيء، وليس المرئي إلا وهما يحتاج لطرز وأردية تعيد تكوين مساحات العري والحجاب فيه.

وفي لوحات هذه المجموعة أيضا يبرز الجدار المحيط بالأوجاع والأجساد والظلال المضاعفة، بوصفه علة للمرئي. الرؤية هنا في الداخل وفي العزلة وضمن مساحة محدودة، رؤية الشيء في حريته وحقيقته، المحجوبة عن العالم وعن العموم؛ إنه الفضاء التكويني لجنون الجسد العاري الفاتن، ولأعضاء الخصوبة والنظر والتفاعل، حيث الوحدة طاقة للفعل الفطري المتحرر من القيود. توهمنا الأعمال بأن للجدران عاطفة وعقلا، ولا يمكن اختصارها في مجرد حدود، هي التي تصوغ الصلابة والهشاشة، وتُنضج وتسحق.. ولم يكن تفصيلا عابرا ذلك الذي جعل فؤاد حمدي يحتمي بجدران مرسمه الخاص لشهور الشتاء الطويلة في كندا، لتكون عالمه الكامل والمستغني، لحظة التدفق، درءا لصقيع الخارج.

في عوالم الجدران والوجوه والأجساد المشطورة والمكوّمة، لا تدرك الوحدة إلا بوصفها تعددا، تمثُل الذوات بما هي ثنائيات أو جمع، هي عينها “أغيار” كثر، يتناظرون مثلما تتناظر ظلالهم، كثرة الواحد المتوالد هي ما يقوّض العزلة، من هنا يمكن فهم تلك الدوائر التي تخطّها الأجساد في المساحة، مالئة ومبددة لحصار العلبة الحاضنة.

احتمالات حسية مدوّخة

خارج الزمن داخل الذات
خارج الزمن داخل الذات

في مجموعة ثانية من اللوحات يقدم فؤاد حمدي الساعة باعتبارها نواة لتشكيل الأعضاء والكائنات والمنظور، ساعات دائرية بأرقام وعقارب، نابتة في الوجوه والجذوع، ملتبسة بالمكعّبات والدوائر المحتضنة للكائنات، والمكتنفة للجدران والخلفية، أو المعلقة في الفراغ، مسكونة بالرؤوس، أو منبهقة من عضو الخصوبة الأنثوي أو متأرجحة على الجبين. ساعات مكتملة وأخرى ناقصة، أنصاف وأجزاء، بأرقام ثابتة أو متساقطة.

احتمالات حسية مدوّخة للآلة الناظمة لمسار العمر. الحاسبة للثواني والدقائق والساعات. تصوغ مجازات السعي للخروج من وصفة الحساب، والعبور إلى مطلق لازمني، دون خلفية ولا أفق، مجرّد جدران ودوائر ومكعبات، معازل خارج دائرة الليل والنهار وتعاقب الفصول، هندسة للإقامة خارج الوقت. أليس المعزل في النهاية هو مكابدة الحساب، ونسيان التعاقب وما يتصل بها من شهوة الانتظار؟

في لوحة من هذه المجموعة تخترق بجعة الجدار الأيسر في المكان المقفل، ويواجه الناظر في العمق جدارا أسود، وعلى اليمين بمساحة ضيقة ينهض جدار أخضر قاتم يميل إلى السواد، منثن يمينا إلى مساحة أكبر لا تبرز نهايتها، في الأرضية الصفراء المائلة إلى البني ينتصب نصف علوي لامرأة، لا ملامح له، بوجه دون تقاسيم، مشرئب لأعلى، وجيد ونهدان مطموسا الحلمتين، النصف بلا يدين، على نحو شبيه بتمثال نصفي غير مكتمل. تتراكب عبر تخطيط شعاع ضوئي أصفر شفاف أقنعة ثلاثة متراصفة لأعلى، تكرر هيئة الوجه، مانحة إياه عينين وأنفا وفما.

في متن الشعاع تتصادى الأقنعة مع وجه البجعة المطلّ من الجدار، المتّخذ صفة بشرية ناقصة، تركَّب القناة الضوئية، الواصلة بين الوجه والأقنعة ورأس البجعة، على قاعدة نصف أنثوي سفلي، تطفر من انثناء عضو الخصوبة البنفسجي فيه، ساعة برقمين، ووضع مختل للعقربين ينزاح عن البؤرة..، تختصر هذه اللوحة المكثفة والضاجة بالألوان والضلال والكتل، إيحاءات التشظي والحصار والوجود خارج الوقت، أو بمعنى أدق هندسة وضع خارق للوقت على إيقاع فتن الحواس. لذلك ربما تم تركيب القناة الضوئية خارج مدار الساعة واصلة بين الأقنعة والوجوه المتصادية والمتناظرة؛ الوجوه والعيون الناقلة للإحساس بالمرئي خارج لهوجات الوقت وكروبه وكوابيسه.

أجساد امّحت، وبقي منها فقط رؤية الفنان لها ضامرة ومضمومة ولدنة تلتبس بانحناءات الزوايا الخرساء
أجساد امّحت، وبقي منها فقط رؤية الفنان لها ضامرة ومضمومة ولدنة تلتبس بانحناءات الزوايا الخرساء

لا وجود للوقت في زمن المنفيين واللاجئين والمحاصرين والمدفوعين إلى الملاجئ، هو وقت مؤقت أو دون ذاكرة هو مساحة للتكرار والتناسخ والنسيان، ومن ثم فهو فاقد لحسيّته وامتداده الأفقي، يتحوّل تدريجيا إلى تجريد لا قيمة فيه للدقائق والساعات والفصول، مادامت الأجساد المنشطرة والمتشظية اتخذت لها هندسة مستحدثة لمدارات العيش والبقاء بين الحدود الضيقة والمعازل والجدران. وإمعانا في شحن الجدران والوقت وهندسات الأمكنة المغلقة، وتغليف الأطراف والأعضاء بالمعنى، يقتبس فؤاد حمدي استعارة الأكواريوم، لتبيين حالة الوجود خارج الأصل، وتحويل الحياة والبيت لنسق فرجوي، حيث الكائنات وألوانها وماؤها وطعامها وملحها مجرّد تفاصيل اصطناعية لحياة زائفة، ممتلكَة ورهينة حصار مؤبد، في إحدى اللوحات يجد الناظر نفسه أمام صندوق شفاف بواجهة صفراء تُظهر الداخل المنطوي على سمكتين، وساعة في خلفيتهما، أعلاهما كائنان يقتعدان الماء بجوار بعضهما، يتأملان ظل ساعة/مرآة، ترتسم فيها سحنة أنثى، يمكن أن نتبيّن الملامح من أعلى صندوق الأكواريوم بوضوح، فاللوحة تميز السطح بلون فضي يوحي بالجبلّة المائية.

في لوحات أخرى نجد الأكواريوم بأشكال مختلفة مع شخوص وأقنعة مشدودة إلى داخله، أكواريومات لأسماك ولأطراف ولتركيبات جسدية فنطازية، مع آلة لحساب الوقت تأخذنا الأمثولة الرمزية بعمقها السريالي إلى واقع شخصي، لذلك المهاجر المولع بالبحر وبالأسماك، لكنها تأخذنا أيضا لملامسة تلك العزلة الفجائعية المموّهة برفاه زائف، وأناقة مصطنعة، حياة خارج المكان تتوفر على كل مقومات العيش، لكنها لا تنفي الإحساس بالاقتلاع.

لقد سعى فؤاد حمدي إلى إدخالنا لعالم رمزي مدوّخ هو جزء من رهانات الفن المعاصر على رحابة الأسلوب، بيد أنه احتفظ بمرتكزات أساسية في المنظور والضوء واللون، واسترسل في توسيع احتمالات التناظر، للإيحاء بعنف الوجود في القوقعة، خارج الطبيعة والوقت، بيد أنه لم يكن في المحصّلة فنان الفكرة والمعنى المجرّدتين من تقاليد التحفة، لقد تخففت تقطيعات الكتلة الحية لديه من الفيزيولوجيا الصادمة، وجرّدت الأطراف والتلفيقات الهيكلية من عجائبيتها البدائية، ومثلت بما هي احتمال دال على التشوه والانسحاق، لقد كان الفنان المترحّل بحق، كما عبّر جون ديوى ذات يوم عن وضع الفنان المعاصر “مبالغا في انفصاليته إلى حد الغرابة” (الفن خبرة، ص 127).

13