الفنان التشكيلي والفن الرَّقمي

السبت 2016/04/02

على الرّغم من أنّ الأعم الأغلب من ثقافات العالم لم يُبلور فلسفة للفنّ الرّقمي على نحوٍ موائم بعد، فإنّ الأسئلة المتعلّقة بالثّورة الرّقمية، وبالتقنية الكمبيوترية وأنظمتها المتجدّدة بتسارع لافت، لم تكفَّ، ولن تكفّ أبدا، عن مطالبة الفلسفة بالإجابة عنها، وكأني بهذه الأسئلة تفتحُ الفلسفة على فضاءات جديدة فيما هي تفتح الحياة الإنسانيّة نفسها، بجميع مجالاتها وأنشطتها وأشواقها، على فضاءات أوسع وأعلى، وعلى مدارات أرحب وأسمى، وعلى ممكنات عمليّة تتجاوز نفسها إذْ تُفضي، عبر التّفعيل والتوظيف المتواتر والمراقبة الدؤوب لمستويات الأداء، إلى بلورة ممكنات جديدة لا تتوانى، أبدا، عن الإفضاء إلى ممكنات أجدّ، وأوسع، وأعلى كفاءة!

وإني لأذكر، الآن، أنّ مثل هذه الأسئلة المفتوحة، أو لنقل الأسئلة الأوّلية المُرهصةَ بمثل هذه الأسئلة، كان قد شرعَ في الانبثاق في المجال العربي منذ ما يربو على عقدين ونيّف من الزّمان، وذلك مع الشروع في استبدال تقنيات وأنظمة وبرامج وتطبيقات كمبيوترية رقمية بما كان قيد الاستخدام من أنظمة وتقنيات كمبيوترية بدت أقلّ كفاءة، وأدنى نجاعة، وأكثر تطلبا للجهد واستغراقا للوقت، من تلك التي أمعنت في تحويل نفسها إلى حاجة ماسّة لم يعد بإمكان المشتغلين في مجالات النّشر والإعلام والصحافة والتصميم الفنّي والرّسم والفن التشكيلي إلا أنْ يمعنوا في أخذها بالاعتبار لإشباع حاجتهم المتجدّدة إلى الأخذ بها!

وفي ما يخصّ النّحت والرّسم والتّصميم الفنّي والفن التشكيلي، وهي من الفنون التي وسمتها الثقافات الإنسانية، عبر الأزمنة، بطابع إبداعيّ، ذاتيّ وفرديّ، لم يفارق دلالة العزلة المفعمة بالسّرية والقداسة، بدا الأمر وكأن الأنظمة والبرامج والتطبيقات التقنية الرّقمية ذات الصّلة بهذه الفنون، بل وبالفنون جميعا، قد جاءت إلى الحياة محمولة على نعش الفنان، أو على الأقل على نعش مخيلته الخلَّاقة ومهاراته الفنيّة المميّزة لإبداعه الموسوم، دائما وأبدا، بالذَّاتية الواسمة!

ولم تكن الإجابة عن السؤال المتعلق بالمدى الذي يمكن للأنظمة والبرامج والتطبيقات الكمبيوترية الرّقمية أن تبلغه في الحلول محل الفنان الإنسان الذي تصوّر بعض النّاس أنها قد جاءت محمولةً على نعشه، إلا ردَّة فعل منقسمة على نفسها لكونها مسكونة بتراث ثقافي، دينيّ وفلسفيّ وعلمي وجماليّ وفنّي ونقديّ، راسخ وممتد وحاضر في الحاضر الإنساني الموزّع بين سلاسل ثنائيات ومتقابلات، متجاوبة أو متعارضة، ظلّت غير مفتوحة على تفاعل خلاق، أو على صراع قد يفضي إلى إزاحة تناقضها المهلك!

ومن هنا جاءت الخلاصات متباينة الاتجاهات والمواقف، ومن بينها الخلاصة التي تقول ما مؤداهُ إنّهُ لا يمكن لهذه الأنظمة والبرامج والتطبيقات، مهما بلغ شأنها ومهما قدّمت من وسائل وأدوات وأساليب أو اقترحت من مخيّلات رقمية تحتوي كائنات ماديّة وثيمات وأشكال متنوعة وتنويعات ألوان قد لا تتناهى، أنْ تهمّش دور فنَّان مبْدع، أو أنْ تلجم عطاء مخيلة إنسانية فريدة يتوافر عليها، ويفعلها، فنانٌ خلَّاق مسكونٌ بطاقات إبداعية يحفّزها، ويتحفَّز بها، خيال إنساني طليق.

وفي واقع الحال، وعلى نحو ما بيّنت تجارب فنانين تشكيليين مخضرمين، من أولئك الذين عايشوا هذا المنقلب التّقني الرّقمي، متفاعلين مع معطياته ومفصحين، كلّ بطريقته وأسلوبه، عن رؤى وخلاصات تتوافق، بدرجة أو بأخرى، مع الخلاصة التي أوردناها للتوّ، ومن بينهم الفنّان التشكيلي والمصمّم الفني المرموق نبيل البقيلي الذي هو رائد بارز من رواد “الفنّ الرّقمي” في الثقافة العربية، كان لتلك الرّؤى والخلاصات أنْ تتجسَّد في لوحات فنية تشكيلية فريدة تنتمي إلى الفنّ الرّقمي الذي انتموا إليه، منذ بدء البدء، فكانوا روادا مرموقين من رواده الذين شرعوا في فتح الفنّ التشكيلي على فضاءات إبداعية جديدة تثريه إذْ تسهم في توسيع آفاقه عبر تعزيز قدرته على تجسيد مخيّلة الفنان، وتمكينه من التقاط شعرية اللحظة وتحويلها إلى “إشارة خالدة” تجسّدها لوحات فنية “تتجاوز الحدث” وترسّخ دلالاته في الذاكرة إذْ تستجيب لحساسية العصر التي تَسِمُهَا بميسمها، وترفدها بدفق حياة لا تكفّ، أبدا، عن الحياة.

ولئن كان للمنجز الفنّي لهذه التجارب التشكيلية اللافتة أن يؤكّد شيئا، فما ذاك إلا حقيقة أنّ الإبداع الفنّي الإنساني، المؤسّس على خيال خلَّاق ومهارات فنِّية عالية وتجارب حياتية رائية، هو الأصل، وهو البدء والمنتهى. غير أننا لا نزال في حاجة ماسّة إلى بلورة فلسفة جمالية للفنّ الرّقمي تستنبطُ قيم الجمال الكامنة فيه، وتفتح الأفق واسعا أمام بلورة مفهوم مؤصّل لهذا المصطلح الجديد، وذلك على نحو يؤسّس لتطوير نظريات فنيّة معمّقة تسهم في استنباط مناهج نقد فنّي تستجيب لطبيعة هذا الفنّ الرّقمي المتجدّد بتسارع لافت، ولا تغفل تنوّع أشكاله وأنماطة وممكنات تطوّره المفتوح على ما قد نعجز الآن عن توقّع حدوثه!

كاتب من فلسطين

16