الفنان السوري عيسى فياض يحاول حماية التراث العربي من خلال الموسيقى

"مغناة".. مشروع فني يسعى إلى خلق حالة فنية تكاملية تتسع لشتى أنماط الأداء الفردي والجماعي.
الاثنين 2021/01/18
فنان حمل روح الشرق إلى الغرب

دمشق - مسيرة فنية امتدت قرابة نصف قرن داخل وطنه وخارجه خطّها الموسيقي السوري عيسى فياض، كان التراث هو الحاضر الأبرز فيها، ليحقق من خلالها الفنان العديد من الإنجازات ويقدم فيها الهوية السورية وملامح الثقافة العربية ضمن الكثير من المحافل الفنية الغربية من ألمانيا إلى إسبانيا ومختلف أنحاء أوروبا.

فياض الذي شغف بالتراث العربي والسوري قدم تجارب جديدة اعتمدت الدمج بين الموسيقى والشخصيات الأدبية ضمن توليفة سماها “مغناة”، فالمشروع الفني الذي يشتغل عليه منذ عقود، يتجاوز عمل “المطرب”، حيث يسعى إلى خلق حالة فنية تكاملية تتسع لشتى أنماط الأداء الفردي والجماعي وأيضا التعبيري والدرامي.

ويتحدث فياض عن بداياته في عالم الموسيقى، حيث سار فيه خطواته الأولى وهو بعمر تسع سنوات، من المسرح المدرسي حتى حصل في سنة 1972 على ميدالية الفارابي للغناء الإفرادي من وزارة التربية.

ويشير إلى أنه رغم دراسته لفرع علمي هو كلية الهندسة المدنية فإن شغفه الفني لم يتوقف. فقدم منذ عام 1973 حفلات عدة مع المعهد العربي للموسيقى ومع فرقة أجراس حلب بإشراف الفنان الراحل نديم الدرويش تضمنت تلحين وإخراج أوبريتات غنائية.

في منتصف العام 1979 عاد إلى حمص بعد أن نال شهادة إجازة في الهندسة المدنية من جامعة حلب، ليبدأ مرحلة فنية هامة، حيث سعى مع مجموعة من أصدقائه إلى تأسيس فرقة موسيقية غنائية تعمل على إحياء التراث الموسيقي العربي الأصيل وتوثيقه وتقديمه ضمن إطار جماعي متسم بالجودة والأصالة، وأطلقوا على الفرقة اسم “فرقة حمص لإحياء التراث”، حيث سعوا من خلالها إلى الحفاظ على الهوية الثقافية والأصالة الموسيقية العربية، نظراً إلى جو التغريب الذي كان سائداً آن ذاك.

وقاد فياض الفرقة على مدى أعوام، وقدم من خلالها فناً تراثياً أصيلاً لعمالقة الموسيقى السوريين والعرب أمثال عبدالغني الشيخ وكميل شمبير وعمر البطش وبهجت حسان وأمين الجندي ومحمد خالد الشلبي ونجيب زين الدين.

وقدمت الفرقة كذلك ألحانا لأهم الموسيقيين المشارقة من بينهم داوود حسني، محمد القصبجي، زكريا أحمد، رياض السنباطي، محمد عبدالوهاب، بروح مختلفة مجددة تسعى إلى فتح مساحات جديدة أمام موسيقى الشرق في بعدها الكوني، متجاوزة حدود الأداء الفردي، إلى نوع من الأداء المتكامل.

عيسى فياض فنان شغف بالتراث العربي وقدم تجارب جديدة اعتمدت الدمج بين الموسيقى والشخصيات الأدبية

كما شاركت الفرقة بأنشطة دولية منها مهرجان السنة الموسيقية الأوروبية في اليونان عام 1985 وغيرها، ما منحها الفرصة للترويج للموسيقى الشرقية المنفتحة على العالم في أوروبا.

ورغبة فياض في سبر أغوار الموسيقى الشرقية جعلته يسافر إلى الشرق، ليطلع هنالك على الآلات وأسلوب العزف عليها وأنماط الموسيقى والغناء لإغناء تجربته، وخاصة بما استفاد منه من الموسيقى الفارسية.

وخلال السنوات التي قضاها فياض في المغترب في ألمانيا، ظل الحنين إلى الوطن يسكنه وعبّر عن ذلك بمشاركته بأنشطة عديدة في ألمانيا وإسبانيا وفرنسا حمل عبرها هوية سوريا الموسيقية فانضم بعوده وموسيقاه إلى أوركسترا سوبف في مدينة ماغديبورغ الألمانية في ظاهرة نادرة، تماهى عبرها حنين العود مع الآلات الغربية، كما انتسب سنة 2015 لفرقة مسرح أوتونين ونجح معها بإدخال الموسيقى العربية في المسرح الألماني.

تجربة فياض الفنية في الغرب تكرست أيضاً بإطلاقه سنة 2016 فرقة عربية باسم “عود الموسيقية” شاركت في مهرجانات ألمانية عدة، ولحن من خلالها ترنيمة باللغة الألمانية صارت تنشد في مهرجان مدينة ماغديبورغ السنوي.

ومن إنجازات فياض في المغترب أيضاً مساهمته مع مجموعة من الفنانين الإسبان بمشروع موسيقي تضمن فيلما توثيقياًعن الموسيقى في سوريا حمل عنوان “هواء الصحراء” كما شكل فرقة سورية إسبانية باسم “فرقة أورنتوس”.

وعلى صعيد التكريم والشهادات نال فياض عدداً من شهادات التقدير والاستحقاق من العديد من الهيئات والمؤسسات الرسمية والخاصة الفنية في سورية وخارجها.

ورغم أنه في مناسبات عديدة يقر بأهمية الماضي إلا أنه يرفض الارتهان فيه، وفي كلمته إلى جيل الشباب يرى الفنان أنه “ليس هناك موسيقى شبابية وأخرى غير شبابية، بل هناك موسيقى جميلة وعذبة تلامس الروح وتخاطب العقل، وموسيقى مصنعة إلكترونيا ليست لها صلة بالمشاعر والذوق، فالتطور يرتكز على أساس، وأساسنا الموسيقي هو إرثنا الغزير، فعودوا إلى أصالتكم وانهلوا من تراثكم ما استطعتم ليكون المرتكز في بناء نهضتنا المستقبلية. فلا حاضر ولا مستقبل دون ماض”.

ويؤكد فياض في ختام حديثه أن جذوة الإبداع في سوريا لا تزال حية وشعبها معطاء ولديه إرادة قادرة على استعادة بلادنا لدورها الريادي في جميع مجالات الفنون، مشيرا إلى متابعته عبر الإنترنت لجميع النشاطات الفنية التي تقام في وطنه الأم وتظهر مستوى الكوادر السورية الخريجة من كلية التربية الموسيقية بجامعة البعث وأثرها الكبير في انتعاش الإنجاز الفني وبصمتها محلياً وعالمياً.

14