الفنان العراقي حمادي الهاشمي في رحلته إلى الأبدية

الخميس 2014/06/12
حمادي وحصانه الحزين: بريشة الفنان جمال الجراح

بروكسل - غيّب الموت صباح السبت 7 يونيو الجاري الفنان التشكيلي والشاعر العراقيّ حمادي الهاشمي، المولود بقرية “نزلة بني هاشم” في مدينة العمارة بجنوب العراق عام 1954، وذلك بسبب نزيف طارئ في الدماغ أمضى بسببه ثلاثة أيام في مستشفى “كينت” في بلجيكا حيث كان يقيم منذ بداية السبعينات. وكان الراحل قد أقام آخر معرض تشكيلي له في أبوظبي يوم 15 مايو الماضي.

لا يحتاج الفنان حمّادي الهاشمي، وفق ما كتب عنه أحد أصدقائه، إلى ما يحرّكه أو يستفزّه ليرسم، ففي داخله قلق يكفي لملء مدينةٍ عربية بالوجوه ورؤوس الجياد وأجنحة الصقور الجارحة. ذلك أن هذا الفنان يتوفّر على فرشاة يموج خزينها بمفردات ثقافية شرقية وغربية، ولها خبرة في تاريخ المدارس الفنية من كلاسيكية إلى آخر منجزات الفكر التشكيلي الراهن، ما جعل لوحاته تجمع في مشهدياتها اللونية حشودا من صور الماضي مع ما في الحاضر من وقائع وأحداث جمعا تحكمه حريّة المبدع وهو يُجري رؤاه في أرض الفن، حافرا فيها سيولا تنهمر بصافي أحلام الإنسان في صراعه مع أزمنته وحاجاته وإكراهاته. ولعلنا واجدون صدى لهذه الحرية في ما ذهب إليه الراحل الهاشمي من أنه حين لا يستطيع الفنان أن يرسم وجه إنسان، من الصعب الاعتراف به كفنان حقيقي، هذه الإشكالية تلاحظ في الوطن العربي، لأن لدى فنانينا اضطرابا تشكيليا بسبب نشأتهم الفنية القاصرة جدا، وهو ما جعلهم لا يمتلكون حرية داخل أدمغتهم.

ولعلّنا نلفي في مطلب الحرية، هذا الذي يؤكّد الهاشمي واجب توفّره لدى أيّ فنان تشكيلي عربيّ يروم حيازة مكان له في فضاء الإبداع والحياة والتاريخ عامّة، ثيمة تشكيلية أثيرة لدى حمادي الهاشمي، حيث نوّع من تجسيدها في لوحاته، واختار لها من الأساليب الفنية ما ارتقى بها من حيز المنشود إلى حيّز الموجود في كلّ إنتاجاته التشكيلية والشعرية. ولا نخال حضور الخيل في لوحات الهاشمي إلاّ علامة على هذا التوق إلى الحريّة وصورة عن تجلّيه في واقع صار مكتظا بصور الكبت والقهر والإخفاء.

مساء أمس، الأربعاء 11 يونيو 2014، شيّع جثمان الفقيد إلى مقبرة الفنانين، مقبرة “سنت مارتنس لاتم” في ضواحي مدينة خنت التابعة للإقليم شرق فلاندرن ببلجيكا، بحضور حشود من أصدقائه ومحبّي فنّه.


الواقع وأسطورته

بمناسبة إقامة الراحل حمادي الهاشمي معرضه الفني الأخير بأبوظبي، قدّم كاريل كاسيما، المؤرّخ الفني البلجيكي، شهادة حول هذا الفنان، جاء فيها قوله: “حيث إن مجموع جميع الأجزاء نادرا ما يتوافق مع الكل، فالمرء لا يستطيع أن يجمع بين ثقافتين.

فعندما تلتقي ثقافتان، ويقوم فنان مبدع فذ بتمثل ذلك، تكون النتيجة، خلق عالم جديد وفريد من نوعه. هذه حال حمّادي الهاشمي، فهو فنان متعدّد الجوانب، يرسم ويخطط ويجري أحاديث ممتعة ويمتلك روح التهكم الــــذاتي. إن فن حمّادي متعدّد الجوانب أيضا.فهو يستخدم براعته بطرق فنية متعدّدة ويتناول موضوعات مختلفة، ومتعدّدة الألوان في لوحاته، لتنساب من قلمه وفرشاته أساليب متعدّدة، فجميع هذه العناصر مجتمعة تؤكد ما يملكه الفنان من جوانب إبداعية متعددة. فهو فنان باستطاعته أن يتمثل ويستوعب العديد من التأثيرات المتباينة ويقوم بتحويلها إلى معين لا ينضب من صور وتعابير ذاتية.

تأثر الفنان حمّادي في رسم لوحاته الزيتية، بأسلوب الرسم الغربي الكلاسيكي، فأعماله فيها طبقات مختلفة ثقيلة وملساء. أما المنمنمات في لوحاته مع العناصر التصويرية واللفظية التي تشبه لوحات الأكريليك التي تُرسم على الورق فقد جاءت من تأثر الفنان بالزخارف الموجودة على السجاد الشرقي. فقد استطاع الفنان حمّادي أن يوظف الخط العربي التجريدي في الرسوم التخطيطية الملونة، والتجريدية البحتة حيث كوّن فيها البساطة وحركة الرمز اللتين تحدّدان القدرة التعبيرية للبنية والتركيب. كما أن حركة المنحنيات تولد تراكيب من الخطوط الملتفة تصف البشر والخيل.

إن الخيول مصدر إلهام لا ينضب للفنان حمّادي، فقد رسمها في لوحات زيتية من القماش بمنتهى الدقة، منفردة أو مجتمعة وفي وضع الراحة أو أثناء الجري وبأسلوب كلاسيكي تجريدي وبألوان متعددة.

فالفرس شاهد على قصص الحب الغامض بين الرجل والمرأة وبين حمّادي وحبه الضائع منذ زمن بعيد.

نرتكب خطأ جسيما إذا اعتقدنا أن حمّادي ليس لديه إحساس بعالم الواقع. فهو يعبّر عن التزامه الاجتماعي بشكل قوي جدا، في تراكيبه الثلاثية الأبعاد. فهي تعبّر عن القتل العشوائي والحرب والعنف وحجز الحرية. ولكي يعبر عن رؤيته بوضوح استخدم الفنان تراكيب تعبيرية واضحة، ولكن مما يؤسف له أن حمادي أكثر الأحيان لا يكمل مشاريعه بسبب نقص الموارد المالية. وهذه القطع الفنية تعتبر دليلا يثبت أنه فنان مبدع وتبيّن أيضا أنه حالم كبير في دنيا الخيال. فالتماثيل تعبر عن رؤية ناضحة وإحساس بعالم اليوم. كان حمّادي في صراع دائم من أجل البقاء، وهذا أجبره على أن يكون واسع الحيلة. فعلى سبيل المثال كان اختياره للمواد مرتبطا بوضعه المالي. وبالرغم من ظروفه الصعبة لم يتخلّ عن فنّه. ولم يستطع أي شيء أن يؤثر على قوته التصويرية والتعبيرية. وهذا يتجلى في علب الكبريت الصغيرة والمجموعات النفيسة تلك التي تعود إلى الأصدقاء والتي تكشف عن عالم كامل بذاته على شاكلة جزيرة الأقزام ليليبوت.

حمّادي رجل عالمي، استطاع أن يقيم صلات وعلاقات في جميع أنحاء أوروبا وفي أنحاء واسعة من العالم العربي، من خلال جولاته ورحلاته. وقد تطوّرت هذه الصلات لتغدو صداقات دائمة في جميع الأوساط الاجتماعية. وهو يمتلك رؤية صريحة ونقدية حول العالم الذي يحيط به، ويدرك أن حرية الفكر والإبداع الفكري والفني هي الخير نحو الأمن والانطلاق. حمادي في فنه مشغول طوال الوقت بالإشكاليات التي تحيط بالمرأة. فالفن بالنسبة إليه تعبير عن الحياة. فهو لا يؤمن بمذهب «الفن للفن».

وممّا لا ريب فيه أنّ لدى حمادي صورا بالغة التعبير عن التفاؤل الذي لا حدود له والذي رأينا له صورا مختلفة جدا في المستقبل”.

قدم آخر معرض تشكيلي له في أبوظبي


كاريل كاسيما

مؤرخ فني من بلجيكا


لا أريد له أن يصبح ذكرى


القبر لا ظلمة له ولا سلطة له عليه، إنه مستودع للمركبة التي كانت تقلّه ليكون هنا، لا غير. منذ أيام والهمسة في فمه حجر، وعيناه مسدلتان، كستارتين، هربا من خصلات شعره الطويل كهمس في ثنايا ريح، وشفتاه مطبقتان كأخدودين على لسان سيصير طينا ثم ترابا في بلاد الأراضي الخفيضة. قناع وجهه ملموم على نفسه كشمع صُبّ في قالب بارد. ثمة تجاعيد أو طرقات سيردمها الثرى بعد حين. تلك كانت صورته الأخيرة: صورة الفنان في غيبوبته الأبدية.

الآن ثمة فسحة لالتقاط الأنفاس. النوم عصيّ بعد يوم طويل تناوشنا فيه مستودع الجثث حيث يرقد بكامل قيافته، ليرمينا إلى طقس النظرة الأخيرة إليه والمعفّرة بدمع ينفخ الأجفان ولا يتساقط، ومن هناك يجرجرنا صوب شروحات إدارة المستشفى المستفيضة حول مآل جثمانه، والغرق في لجج متعهد الدفن أو حفار القبور عن أنواع التوابيت وتصاميم كارتات التعزية، والجوس على الأرض ذهابا للاطلاع على مثواه الأخير في مقبرة الفنانين: المثوى الأخير لحمادي الذي لم أتحدث عنه من قبل بصفة الغائب والذي لن أتمكن من مناداته بصفة الحاضر بدءا من أوّل أمس.

لا أريد له أن يصبح ذكرى من معهد فنون بغداد الجميلة في سبعينات القرن الماضي ولا 27 عاما من حياة مشتركة في منفى لم ينته أبدا حتى بالممات.

حزني العميق لي وهذه الكلمات ليست لي. لا صوت في رأسي سوى الضجيج الغامض للصمت، ولا صورة سوى تلك البثور الوردية على شفتيه اللتين تجهدان نفسيهما كي تبديا ابتسامة دون أن تنجحا، فيرسم ابتسامته الأصل، ولا بشر سوى الواجمين حوله وفي محيطه طوال هذا اليوم: ابن عمه صالح الهاشمي وأصدقائه كريم إبراهيم، وكيم جنوب أفريقيا، وجواد الزلفي، ونوري الجراح، وأبو ساره، وليث الناصري، وماهر، وأنامي، وطلال كمال الدين، وهينك، وبيتر، وكنعان … هل تراني نسيتُ أحدا؟ هل نسيتُ التي ربما (كانت حتفه؟) أم تراها طافت في حلم يقظة، وجلست جوار المدخل إلى مثواه وشهقت بوجهه أن يرقص وقفزت بساقيها الطويلتين كمنارتين وجزمتها ذات دبيب المطر المرتطم بشباك لم يعد يأبه بالرذاذ.

هل تراني نسيتُ أحدا؟ مؤكد نسيت. نسيت من سبقوه إلى بياض الصمت وهجعة اللون الواحد اللانهائي. هل أطلب منه أن يذكرني بهم، وكيف؟

حازم كمال الدين

مسرحي وأديب من العراق


اقرأ أيضا في العرب:


لم يرحل لأنه كان دائما هناك في جهة ما غريبا في العالم


الشيء المفقود وقصائد أخرى


حمادي الهاشمي في سطور

14