الفنان العراقي خليل شوقي يرحل في المنفى

الأربعاء 2015/04/15
كاتب ومخرج وممثل قدم الشخصية العراقية بجميع تناقضاتها

في مثل هذه الأيام من العام الماضي قدمت المخرجة والممثلة المسرحية العراقية روناك شوقي عرضا مسرحيا بعنوان “همس الياسمين”، على مسرح “كويستورس” في ضاحية إيلنغ بلندن، تكريما لوالدها الفنان الرائد الكبير خليل شوقي، أحد رموز المسرح العراقي البارزين، بمناسبة يوبيله التسعين.

اقتبست المخرجة روناك شوقي نص مسرحية “همس الياسمين” عن قصة “الشقيقتان” للكاتبة الكولومبية ماريا ديل سوكورو غونثالث، لكن مرض والدها الفنان لعراقي الكبير خليل شوقي وشيخوخته حالا دون حضوره العرض من هولندا، حيث يقيم لاجئا منذ نحو عشرين عاما.

وكان السينمائي العراقي قتيبة الجنابي قد أخرج قبل عشرة أعوام فيلما وثائقيا عن خليل شوقي بعنوان “الرجل الذي لا يكلّ”، أبرز فيه عطاءه الثري في المسرح والسينما والتلفزيون خلال ما يزيد عن نصف قرن.

يوم الجمعة الماضي 10 أبريل 2015 ودّع الفنانون العراقيون هذا المبدع العملاق، الذي رحل عن عمر 91 عاما بعيدا عن وطنه وأهله وجمهوره، شأنه شأن العديد من المبدعين العراقيين الذين أرغمتهم مآسي الحروب والحصار والاحتلال والاقتتال الطائفي والموت المجاني على البحث عن مناف وفضاءات آمنة يأكلون ويصرخون فيها، بلا خوف من مفخخات وعبوات ناسفة ومسدسات كاتمة، ومضايقات طائفية مقيتة يتفنن في استخدامها تجار وسماسرة ولصوص وعملاء وقوّادون يسرحون ويمرحون في أرض العراق من جنوبه إلى شماله.

رائد مسرحي

ارتبط الراحل الكبير بالفن بتشجيع من أخيه الأكبر، ودخل قسم التمثيل في معهد الفنون الجميلة ببغداد مع بداية تأسيس هذا القسم، لكنه هجر الدراسة فيه بعد أربع سنوات، وما لبث أن عاد إليه ليكمل دراسته ويتخرج فيه حاملا معه شهادة دبلوم في فن التمثيل عام 1954.

شهادات عن الراحل
أحد رواد المسرح العراقي

حين يُذكر رواد المسرح العراقي، يحضر اسم الفنان خليل شوقي، فقد كان فضلا عن تألقه في أدوار مكثت في ذاكرة الناس، من مؤسسي أهم الفرق المسرحية في العراق، ومن بين أول الذين تولوا أدوار البطولة في السينما، وبقي على صلة مع جمهوره عبر الدراما التلفزيونية إلى نهاية الثمانينات.

يبلغ شوقي تسعيناته، وينحني ظهره ويضعف نظره وتثقل حركاته، ولكن حكايا المسرح والحياة الفنية في العراق ومفارقات الخشبة والكاميرا تضج بها أحاديثه.

فاطمة المحسن

وميض الحياة اليومية

تاريخ الفنان خليل شوقي الفني والطويل مرتبط بالمخزون الشعبي المبدع لخلق الشخصية الشعبية، مما يؤهله لأن يكون فنانا للشعب العراقي. ورغم أنه يتصرف في حياته وكأنه باشا من باشوات بغداد الخارجة من قصص الأحلام في الزمن الهنيء، بسدارته الفيصلية أو بشماغه البغدادي فيخطف أبصار الفتيات الجميلات، إلاّ أنه يفوقنا إبداعا لتشعب اهتماماته وقدراته الفنية.

فاضل السوداني

أحد شخصيات ألف ليلة وليلة

ينتمي خليل شوقي إلى طائفة من الممثلين الأثيرين على قلب المشاهد، فهو ممثل يتمتع بعبقرية لها طعم خاص يترك أثرا في النفس، حين تشاهده تشعر وكأنك قرأت كتابا ممتعا، فلدى هذا الفنان قدرة عجيبة على تشرب الثقافة والحياة الكامنة خلف هذه الثقافة.

يتصرف شوقي كأنه شخصية من شخصيات ألف ليلة وليلة الخارجة من حضن الأحلام بسدارة بغدادية، أو بشماغ جنوبي وابتسامة محببة إلى النفس فيخطف قلوب وإبصار المتفرجين.

علي حسين

مختزل الشخصية العراقية

قدّم خليل شوقي في مجمل أعماله، كاتبا ومخرجا وممثلا، نموذجا صادقا وأمينا وكاشفا للشخصية العراقية بكل ما تنطوي عليه من قيم وأبعاد نفسية وسلوكية داخلية، بما تتوافر عليه من أسباب ومعطيات وركائز من قوة وضعف، في ظل ما تعرضت له من خيبات وانفعالات من بيئة تتعرض يوميا إلى هزات اجتماعية واقتصادية وتحولات سياسية ودينية، إضافة إلى ما تعانيه من متاعب الحياة في الكثير من التفصيلات التي جسدها فنيا بصدق وبتلقائية قريبة من روح المشاهد وأجوائه الطبيعية.

عباس العلي

يدق أبواب عراقه من مهجره

صورة الفنان خليل شوقي لا يمكن أن تفارق ذاكرة الإنسان العراقي رغم كل الرجات الجسيمة التي تتعرض لها ذاكرة المجتمع، فالحرب التي تدق طبولها كل يوم على عتبات أيامنا، ما انفك الفنان الكبير خليل شوقي وهو يعيش في مدينة لاهاي الهولندية، يدق من جرّاءها أبواب عراقه وأحبابه حتى بلغ عمرا ناهز التسعين.

كان يحدق بعينين جاحظتين إلى تاريخ عميق بدأ مع فيلم “من المسؤول” عام 1956، ولم ينته عند حدود روح ترفرف على شغاف قلب أتعبته المحبة لفن المسرح والحياة، ومن هناك يلوّح بيدين حانيتين إلى بلد تأكله نار الفتن والطوائف عسى أن يمطر الله غيث السلام عليه ذات يوم.

مازن المعموري

فنان بمستوى الجمال والدهشة

خليل شوقي هذه الشخصية الشعبية كاملة الأبعاد، لم يكف النظر إلى مسارات النجوم، ينثر بياضه في عتمة انتظاره الطويل على عموم فنه وإبداعه، فنان بمستوى الجمال والدهشة، هو الصامت صمت النجوم والهادئ كالقمر.

شخصية تجرّ خلفها تلاوين نبض الفرح، وتنبعث منها رائحة الحلم بمدن الشمس والضوء.هكذا رأيناه وهو يخدش وجه المسرح والتلفزيون والسينما راقصا يرفرف بين أغاني الناس، لأنه كان ولا يزال شرفة كبيرة للحلم والحب والضوء.

رياض الفرطوسي

ثم عمل موظفا في دائرة السكك الحديدية، وأشرف على وحدة الأفلام فيها، وأخرج لها العديد من الأفلام الوثائقية والإخبارية.

كانت بداية خليل شوقي مع المسرح، فأسس مع مجموعة فنانين “الفرقة الشعبية للتمثيل” عام 1947، ولم تقدم الفرقة آنذاك سوى مسرحية واحدة، شارك فيها ممثلا، عنوانها “شهداء الوطنية”، أخرجها إبراهيم جلال.

وفي عام 1964 شكّل فرقة “جماعة المسرح الفني” بعد أن كانت إجازات الفرق المسرحية -ومن بينها الفرقة المسرحية الشهيرة “فرقة المسرح الحديث” التي كان ينتمي إليها- قد ألغيت عام 1963.

وبمبادرة منه أعيد تأسيس الفرقة عام 1965 تحت اسم “جماعة المسرح الحديث”، ثم أصبح اسمها “فرقة المسرح الفني الحديث”، وكان هو ضمن الهيئة المؤسسة التي ضمت: إبراهيم جلال، يوسف العاني، وسامي عبدالحميد، وانتُخب سكرتيرا لهيئـتها الإدارية.

وقد أضفى هذا التأسيس على الحركة المسرحية العراقية زخما ودفعا إلى الأمام، من خلال صياغتها مضامين وأشكال ميزتها وأعطتها تفردا عن السائد من الأشكال المألوفة.

وعمل شوقي في الفرقة ممثلا ومخرجا وإداريا، وظل مرتبطا بها إلى أن توقفت عن العمل، وأخرج لها مسرحية “الحلم” عام 1965، وهي من إعداد الفنان الراحل قاسم محمد.

من أشهر الأدوار المسرحية التي قدمها الراحل ممثلا دور “مصطفى الدلال” في مسرحية “النخلة والجيران” التي كتبها وأخرجها قاسم محمد عام 1968، عن رواية بالعنوان نفسه لغائب طعمة فرمان، وكان تناغم أدائه فيها مع أداء الفنانة الراحلة زينب مبهرا، ودور “البخيل” في مسرحية “بغداد الأزل بين الجد والهزل”، و”الراوية” في مسرحية “كان ياما كان”، وكلاهما لقاسم محمد أيضا، و”المختار” في مسرحية “خيط البريسم” تأليف يوسف العاني وإخراج فاضل خليل.

كما برز ممثلا بارعا في أعمال مسرحية أخرى مثل “الإنسان الطيب” لبرخت و”السيد والعبد” المأخوذة عن التراث السومري، وكلاهما من إخراج عوني كرومي.

سينما وتلفزيون

في السينما مثل خليل شوقي عددا من الأفلام الروائية مثل “من المسؤول”، “أبوهيلة”، “الظامئون”، “يوم آخر”، “العاشق”، “الفارس والجبل”، و”شيء من القوة”.

وأخرج عام 1967 فيلمه السينمائي الوحيد “الحارس”، الذي كتب قصته المخرج السينمائي قاسم حول، وشارك في عدد من المهرجانات السينمائية، وفاز بالجائزة الفضية في مهرجان قرطاج السينمائي عام 1968، وبجائزتين تقديريتين في مهرجاني طشقند وكارلو فيفاري السينمائيين.

وفي التلفزيون عمل ممثلا ومخرجا وكاتبا منذ تأسيس تلفزيون بغداد عام 1956، وكتب أول تمثيلية عراقية، وهي ثاني تمثيلية تقدم في تلفزيون بغداد.

من أبرز أدواره التلفزيونية دور “قادر بك” في ثلاثية “الذئب وعيون المدينة”، “النسر وعيون المدينة”، و”الأحفاد وعيون المدينة”، التي كتبها عادل كاظم وأخرجها إبراهيم عبدالجليل.

ومن أدواره أيضا دور “أبوجميل” في مسلسل “جذور وأغصان” الذي كتبه عبدالوهاب الدايني وأخرجه عبدالهادي مبارك، ودور “عناد” في مسلسل “صابر”، ودور “صادق” في مسلسل “الكنز”، والمسلسلان من تأليف عبدالباري العبودي وإخراج حسين التكريتي.

كما أدّى دور “أبوشيماء” في مسلسل “بيت الحبايب” الذي كتبه عبدالباري العبودي وأخرجه حسن حسني، إلى جانب أدواره في مسلسلات “الواهمون” تأليف علي صبري، وإخراج عادل طاهر، و”دائما نحب” الذي أعده وأخرجه صلاح كرم، و”إيمان” تأليف معاذ يوسف وإخراج حسين التكريتي، و”بيت العنكبوت” تأليف عبدالوهاب عبدالرحمن وإخراج بسام الوردي.

لقد قدّم خليل شوقي في مجمل أعماله، كاتبا ومخرجا وممثلا، نموذجا للشخصية العراقية بكل ما تنطوي عليه من قيم، وتتوافر عليه من قوة وضعف في ظل ما تتعرض له من جور، وما تعانيه من متاعب الحياة اليومية.

16