الفنان العراقي علي رشيد: أشتغل بروح الإشارة لا بروح الكتمان والتعمية

الفن.. بورتريه شخصي للرغبات والأحداث ومنتج فكري مرتبط بالحياة وتحولاتها.
الأحد 2021/02/28
نصوص بصرية تحكي الوقائع

الكثير من المتكونين أكاديميا في الفن متعلمون لكن أغلبهم ليسوا فنانين لديهم رهان تحقيق منجز جمالي. يعيدنا هذا إلى فكرة قديمة مفادها أن الفن لا يمكن تدريسه، بل هو في الأساس موهبة. لكن هذا الحكم القديم محل نقاش إذا ما علمنا بأهمية الوعي النقدي والرؤية الفكرية والتعلم في مسار كل من يريد التأسيس لتجربة فنية. علاقة الجامعات الفنية بعالم الفن يمكنها أن تكون علاقة تكامل بين الدرس الفني والتجربة. وفي ما يلي حوار مع الفنان التشكيلي العراقي علي رشيد حول الفن والتكوين وتفاعل الفنون وغيرها من القضايا.

فنان من العراق مقيم في هولندا، مهاجر ومنتم إلى الفضاء الإنساني، لكنّ العراق يسكن في كل خلية من خلاياه. تكتسي أعماله “خبرة في التلوين وخفة في ضربات الفرشاة بخطوط سريعة تتلوى على أجساد مقبورة مهجورة في فضاءات سديمية، يغلب عليها لون سماوي”. و”في الكثير من الأحيان يظهر العمل في مساحات من أدخنة رمادية، تتخللها خطوط وتقسيمات رفيعة بيضاء، وكأنها كشط وخدوش بآلة حادة على أسطح جدران جيرية قديمة تصبح خلفية لقصة ما قد حدثت”، و”مساحات رمادية تنتشر فيها بقعة لون صفراء في تجاور رائع ولغة تشكيلية تنتج أصواتا جديدة ونغمات متعددة تضفي البهجة رغم كل شيء”. بهذه الجمل المتلاحقة وصف النقاد أعمال الفنان علي رشيد.

مرة أخرى، إذا كان الفنان هو مواطن العالم يسكن في أي بقعة من الكوكب ويعتبرها وطنه، فإن مسقط الرأس يسكن فيه، ولا يفارقه إلى الأبد. دفاعا عن ذلك الوطن وإنسانه يبدع الفنان لوحته لتكون صرخة ضد الموت. في غير مرة هتف الفنان “الحرب للمتمترسين خلف بهيميتهم من مصاصي الدماء، الحرب نزهة للقتلة والمسعورين، الحرب صناعة القبائل المحكومة بجاهليتها”. وأيضا مقولته، بل صرخته المتكررة “في العراق ألف غرنيكا لم تظهر بعد”.

وعلي رشيد ليس فقط فنانا تشكيليا فهو شاعر أيضا. من مواليد 1957 درس الفن في معهد الفنون الجميلة ببغداد وأكاديمية الفنون الملكية (لاهاي)، حاصل على شهادة الماجستير من جامعة ليستر (بريطانيا وإسبانيا)، ويعمل في النص والتشكيل على مشروعه الذي مارسه منذ بداية الثمانينات والذي أسماه “تدوين الذاكرة”. أقام وشارك في الكثير من المعارض العربية والأوروبية، خصوصا في العراق، الجزائر، ليبيا، مصر، فنلندا، الدنمارك، النرويج، بلجيكا، ألمانيا، أوكرانيا، إسبانيا، اليابان، وهولندا حيث يقيم.

نذكر من بين إصداراته “أضحية رمزية لمعارك الله” كتاب تخطيطات، والكتب: “الغياب”، “وحدك الآن”، “منزل كفافي”. و”ذاكرة الصهيل”، “خرائط مدبوغة بالذعر” وهما مجموعتان شعريتان. حصل على جائزة شعرية عام 1998 للأدب المهاجر من منظمة دنيا في روتردام. يحاضر حاليا في مادة الفن الإسلامي في جامعة أوروبا الإسلامية “سخيدام” في هولندا.

الفن والأكاديميا

علي رشيد: مشروعي مرتبط بالبحث الجمالي والفلسفي والتدوين من منطلق أخلاقي وإنساني إزاء ما يجري حولي
علي رشيد: مشروعي مرتبط بالبحث الجمالي والفلسفي والتدوين من منطلق أخلاقي وإنساني إزاء ما يجري حولي

الجديد: تلقيت درسين أكاديميين في مجال الفنون الأول في العراق والثاني في هولندا، ما الذي وجدته مختلفا ومغايرا بين هذين العالمين؟

علي رشيد: الاختلاف كبير. كانت وما زالت مناهجنا في العراق، وفي العالم العربي عموما تعمل على بناء طلاب متعلمين في الفن وليس فنانين. ولذلك ترى أن سبعين في المئة من الطلاب المتخرجين يواصلون دراساتهم ويحصلون على الماجستير، والدكتوراه “هذا الأمر لا يشغل طلاب الفن هنا”، وتجد البعض منهم مستعدا للحديث ساعات عن الفن، ومدارسه وجذور مفرداته لكنهم لا يمكنهم من تقييم العمل الفني، أو الغوص في دلالاته.

ما زالت مناهجنا تؤكد على الحرفة ورسم البورتريه، والطبيعة الصامتة، وتدرس تكنولوجيا اللون بينما الغرب تحولت قناعاته في هذا التوجّه، فمفهوم أنك رسام جيد لأنك ترسم الشبه جيدا تجاوزوه منذ بداية القرن الماضي مع تجارب مارسيل دوشامب الأولى والتي أجدها محاكاة لما قاله المتصوف الكبير النفري “كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة”.

هذه الجملة العميقة تلخص النظر إلى الفن اليوم، فهي تختزن قيمة عالية من الدلالات. فالفن كما تعلمته هنا هو منتج فكري مرتبط بالحياة، وتحولاتها وبالزمن المعيش، هو بورتريه شخصي للرغبات والأحداث، ولا يمكن اختزاله بالمحتوى الجمالي كما نصرّ عليه في مناهجنا. أكرّر الخلل في المناهج وليس في الطاقات، في الستينات والسبعينات من القرن الماضي كان لدينا فنانون كبار درسوا في الغرب، وعادوا محملين بتجاربه ورؤاه وقدموا أعمالا مهمة، لكن لمَ بقينا مشدودين لهذه المرحلة ولم نتجاوزها؟ خصوصا وأن المتغيرات حول العالم في الفن سريعة ومتلاحقة.

ملتقيات عربية

الجديد: نظمت ملتقيات فنية في غير دولة عربية، إلامَ كنت ترمي، ماذا أُعطيت وماذا أخذت من هذه الفعاليات؟

علي رشيد: أنا سعيد بهذه الثقة التي يمنحني إياها الآخرون سواء على مستوى التنظيم والإشراف على ملتقيات أو حتى استشارات من ملتقيات عالمية في ترشيح أسماء فنانين. أعطيت لهذه الملتقيات الكثير، حيث دعوت لها أسماء مهمة وكبيرة في الرسم عربيا وعالميا، ودعوت نحاتين كبارا ومعروفين على مستوى العالم من اليابان والمكسيك والصين والبرتغال، ومن قارات ودول مختلفة ولولا علاقتي الطيبة بهم لما كان يمكن التعرف عليهم وعلى تجاربهم الكبيرة.

وقد منحنا العديد من النحّاتين الشباب في دول الملتقى فرصة العمل جنبا إلى جنب مع النحاتين الضيوف ما زاد في خبراتهم. بل تم توجيه دعوات إلى العديد من الفنانين والنحاتين من خلال مشاركتهم في الملتقيات التي أشرفنا عليها. حيث دُعي البعض إلى كوريا والصين وأذربيجان والمغرب وفرنسا وغيرها من الدّول.

في المقابل رشحت لملتقيات عالمية أسماء كثيرة من أصدقاء ومعارف حتى أن نحاتا عراقيا اختير عمله في أهم حديقة للنحت بالصين تضم أعمالا لكبار النحاتين عبر العالم من خلال ترشيحي له.

أشتغل بروح الإشارة إلى تجارب الآخرين، وليس بروح الكتمان والتعمية التي تسود “للأسف” عالم الفن. ولهذا فبمجرد وجود فرصة يمكن تقديمها لفنان لا أتردد في طرح اسمه. لم أحصل إلا على محبة واحترام الكثير ممن التقيتهم وعملت معهم، ومجافاة من القلة ممن لديهم مشكلة حتى في قول كلمة “شكرا”.

الفنان الأعزل

أعمال الحفر والتخطيط والكولاج التي تتشكّل كسلسلة مع الحدث المدوّن
أعمال الحفر والتخطيط والكولاج التي تتشكّل كسلسلة مع الحدث المدوّن

الجديد: هل تظن أن مستوى طموح الفنان في العالم العربي ونتاجه الغزير (قياسا بالعدد الكبير للفنانين والفنانات) له ما يستوعبه على مستوى العرض والتسويق؟

علي رشيد: الأمر لا يتعلق بالعدد الكبير للفنانين، ولكنه متعلق بالسّوق والأيادي الخفية التي تدير لعبة البيع والشراء للأعمال الفنية.

عالميا لا يفلت سوق الأعمال الفنية وبيعها من الاحتيال، والصيغ غير القانونية منها تبييض الأموال نتيجة تراكم الثروات بشكل مشبوه، ما جعل سوق الفن وشراء الأعمال ملاذا لهم. لذلك تدفع مبالغ خيالية تصل إلى مئات الملايين للوحة الواحدة. وقد تكون حيلة ومفتتحا لصنع فنان نجم وصناعته كسعر في المستقبل. بل هناك بيع يتم بشكل سري لا يعلن عنه.

عربيا سوق الأعمال الفنية هشة وغير واضحة الملامح فعدا بعض الأعمال التي تباع لفنانين من خلال قاعات العرض وهذه نسبة لا يمكن الاعتداد بها، ولا تغني الفنان، أو تساعده على احتراف الفن واتخاذه مصدرا للعيش.

جاءت الأسواق والمزادات التي لم تخل من الشبهات التي يدار من خلالها بيع الأعمال الفنية وتسويق الفنانين. وكالعادة بقي الأمر منوطا بأشخاص وشركات لهم حسابات أخرى لا تتعلق بأهمية العمل الفني وقيمته البصرية، كذلك لعبت الإخوانيات والتجمعات في العالم العربي احتكار العرض والتسويق وبقي الفنان الأعزل يواجه محنته في ظل ذائقة متدنية وسوق منخورة بالشبهات. وغياب المؤسسات الثقافية، والدعم الحكومي للفن والفنانين.

نصوص بصرية

الفن منتج فكري مرتبط بالحياة وتحولاتها وبالزمن المعيش، وأنك رسام جيد لا يعني أنك ترسم الشبه جيدا
الفن منتج فكري مرتبط بالحياة وتحولاتها وبالزمن المعيش، وأنك رسام جيد لا يعني أنك ترسم الشبه جيدا

الجديد: بين الفينة والأخرى تنشر في صفحتيك على الفيسبوك والإنستغرام صور أعمال غرافيك، حفر على المعدن، قل لي ما خصوصية هذا الفن؟ وما أثره على لوحتك الحالية؟

علي رشيد: ما أنشره في مواقع التواصل الاجتماعي هي نصوص بصرية من مشروع بدأ منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي أسميته “تدوين الذاكرة”. هذا المشروع الذي بدأ مع الحرب العراقية الإيرانية التي التهمت سنوات ثمان من عمري بين سواترها، كلّ هذا قادني نحو التدوين. تدوين اللحظة والذاكرة التي لا يمكن العبور على خزينها الذي يشير إلى الألم وأعني هنا الألم الجمعي لا الشخصي.

بقيت متمسكا بتوجهي هذا في الفن والكتابة لذلك، لم أشغل بالجماليات وحدها في ما أنتج بقدر انشغالي بالعالم وحروبه وأحداثه وكوارثه المتسارعة. انشغلت بالناس وتفاصيل حياتهم، بمعاناتهم التي تتفاقم وبأحلامهم التي تتلاشى.

هذا ما جعلني أشتغل على مشروعي الشخصي المرتبط بالبحث الجمالي والفلسفي وعلى التدوين كمنطلق أخلاقي وإنساني إزاء ما يجري حولي. فمع كلّ حدث عالمي أو حتى عراقي تجدني أسعى إلى تدوينه، ونشره لجعل المتلقّي أمام مواجهة مع ما يحدث، واستفزازه ليتخذ موقفا منه.

يمكن للمتابع أن يرى في صفحتي أعمال الحفر والتخطيط والكولاج التي تتشكّل كسلسلة مع الحدث المدوّن كما في التظاهرات السلمية للعراقيين ومطالبتهم بالوطن والكرامة والخبز، وقبلها أحداث عربية وعن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وحتى مرحلة العزلة والخوف في زمن كورونا. بالطبع تتناغم هذه الأعمال التدوينية مع مشروعي وتجاربي الشخصية في الفن التي تنطلق من الزهد في اللون والشكل لصالح البحث عمّا هو غائب وغير مرئي.

ينشر بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الثقافية الشهرية اللندنية

11