الفنان العراقي وليد رشيد يشكل عالمه بطين الأجداد

تنطلق أغلب الأعمال الخزفية للفنان العراقي وليد رشيد من مفاهيم أقرب للتجريد وهي تتخذ طريقا مختلفا مع أشكالها، إذ تملي عليه عقليته الأكاديمية وذائقته الجمالية التحرّر من مفاهيم سائدة لينطلق باتجاه أسلوبي مختلف، حيث طريقة الصياغات البنائية ومفاهيم الدلالة، وحيث تكوينها بدقة عالية.
الجمعة 2017/03/10
أعمال تخاطب التجريد

يعي الخزّاف العراقي وليد رشيد أن الاختلاف الذي يصاحب منجزه يبدو غريبا على ذائقة المتلقي، إلا أنه يصر على أن يسير باتجاه مخاطبة التجريد والاحتكام لمدرسته في أغلب طرائق صناعته الشكلية، فكيف يوفق بين مشروع جمالي صرف وبين ذائقة المتلقي؟

يشعر وليد رشيد بأن العمل يحمل خصائصه الشكلية قبل أن يلقي بمدلوله التعبيري، لهذا تستحوذ ضراوة الشكل ضمن تحولات متسلسلة مما يعطي المهارة البنائية جزءا مهما من التكوين الفني، وضمن هذا الفهم تتعاظم وتتنوع الوحدات في نسيج لا يبدو شفافا وواضحا للعيان. هناك التباس بين منطق التخيّل وصرامة واقعية النحت على السيراميك، أو الخزف، لهذا ثمة تعقيد في الحفر وهيمنة طاغية في شكل تجريدي بحت يصعب أن نعيد أسسه لمنحوتات أسطورية، أو فنون سالفة، إنما ثمة ركائز من دقة العمل تسحب المتلقي لمثالية غير مقيدة بمرجعيات أسلوبية وأصول بنائية.

 
وليد رشيد: العمل يحمل خصائصه الشكلية قبل أن يلقي بمدلوله التعبيري
 

 

المتغير هنا يلازم الحدس وطريقة التفكير، وغالبا ما يكون مدعوما بنتاج الانتقائية، ولا أجد أيا من أعماله خالية من هيمنة “سلطة المخيّلة”، ما نراه في السيراميك أداة جمالية من أشكال مختلفة تتجنب الانزلاق نحو السائد وتحمل سمات شعورية باطنية، لهذا تبدو مظاهر تحولها الدلالي غريبة علينا، فما السر وراء هذه النزعة التي تنتصب أمام أعين المتلقي لصياغاته الفنية؟

يرينا وليد رشيد ما يتراكم في محترفه من منظومة ظواهر بنائية مختلفة الأحجام تشكل نواة لفهم مشروعه التراثي والبصري، فعلى مستوى حساسية التأسيس نجد عوامل الموضوع قد خُطط لها لتستقيم في وحدة متكاملة من التحول العملي لمنطق الخزف وتعامله مع مادة الطين وتركيب النُظم والهيئات.

وهنا تلعب مفاهيم الكتلة والفراغ دورها في تكامل موحّد، ليبرز لنا الجانب التعبيري أكثر صرامة في مقاربة الخزف من العمل النحتي، أيضا ثمة تفاوت في تنظيم الوحدات السردية التي تعامل معها بحذر، فنجد ما يشير إلى كيان آدمي وأجزاء من جسم الإنسان وأعمال أقرب للإثارة في الحركة والنسق التجريدي الذي اتجه إليه رشيد، وعليه يبعث منطق المعيارية الفنية على تحوير أشكال هندسية بانسيابية خالصة نحو الإيحاء، وقد تحقق ذلك بحساسية التكوير والتفنّن في تداخل لعدة أنماط في عمل واحد.

من هنا تنطوي مرجعيات وليد الجمالية على دافع رمزي أقرب للمثالية الروحية التي تتضمن مخاطبة العقل والالتزام بمرجعية الحسيات، فهو يعادل بين وظيفة السيراميك ومؤثرها البصري، وقد نلاحظ تعقيدا غير متعارف عليه في تسلسل العلامات التي تشير إليها عناصر البناء المتحققة في أجزاء ملونة، تضاف لها قطع بسيطة من قماش أخضر اللون وكأنّ حقولها الدلالية تمتثل لمدونة وقيمة ثقافية ومرجعية تراثية، هذا التزويق في الألوان والإضافات والتكوير لم تغير وجهة الظواهر الجمالية المراد تحقيقها.

 
أعمال خالية من هيمنة "سلطة المخيّلة"
 

 

والمفهوم الذي يدعو إليه الخزّاف العراقي يتيح لنا التأويل في رؤية مكوناته الفنية، وبما أن التعقيد يتضمن مرجعية الاشتغال وتباين الطريقة وتقديمها، فبالتأكيد نلجأُ إلى الأسباب الداعية إلى ذلك، وما الذي تثيره العلامات المختلفة جراء كل هذه التفاصيل المتشابكة؟

علينا الاعتراف بأن المهارة والعمل اليومي المستمر وفّرا له قاعدة بنائية رصينة استخرج من خلالها منظومة بعيدة عن الفهم، قاده التفكير في أصل الطين وتقلبه كعجينة سهلة بين يديه إلى خلق هيئات منغلقة وتراكيب مجردة من الانفعال الزخرفيّ، وهي تخضع لبنيات تصويرية كأنها في محتواها الخارجي جزء من لقى أسطورية، تفضي إلى خيال متفاقم لا تجاريه أي حمولة عاطفية، إذن نحن أمام منطق عقلي بحت يدعوه إليه صاحبنا كنتاج لنسق متحوّل في الشكل مقابل تفعيل القدرة التعبيرية، فأين الجمالية من هذه الدعوة؟

تكمن الدعوة في نسف الماضي والتطلع إلى قيم الحداثة ومجابهة الذاكرة ومخزونها العاطفي والاحتكام لمرجعيات منطق العقل على حساب السمة الشعورية، وهو نداء يدفع بالمعنى وخطاب الحرية نحو التعالي حتى لو تمت زعزعة الأشكال وبنائها من أجل متعة الخيال ولمساته داخل جوهر الاشتغال الفني.

ومن هناك، فأقصى ما يسعى نحوه وليد رشيد هو استثمار التجريد كاتجاه حقيقي يصاحب نزعته في تحطيم العاطفة، حيث يتبين لنا ذلك جراء الاستعارات والرموز والحقل الدلالي، فلا طائل من طراز فني مفرط في التبعية، بل ثمة مقولة لتجديد فن السيراميك يبعث وينشد إليها وصولا إلى أهداف جمالية خالصة.

17