الفنان بين الانحياز إلى الشعب والخوف من خسران جمهوره

الجمعة 2014/03/14
تأييد المشير السيسي سببه استشعار خطورة الإخوان على الفن والإبداع

القاهرة- ثورات الربيع العربي وضعت مثقفينا وفنانينا في مواجهة مع الواقع، إذ لم يعد لهم هامش للمناورة بالمواقف إزاء الأحداث التي تعيشها شعوبهم، فهم مدعوون بصفتهم مواطنين إلى التعبير عن آرائهم في وقائع المعيش السياسي، غير أن في إعلان تلك المواقف ما قد يسبّب لهم خسران جماهيريتهم. وهي معادلة حاولت «العرب» تبيّن ملامحها من خلال آراء بعض الفنانين المصريين.

منذ اندلاع ثورة 25 يناير في مصر وحتى اللحظة الراهنة، والفنانون متأرجحون بين رغباتهم في إبداء مواقفهم السياسية التي يمليها عليهم واجبهم الوطني وبين الخوف من الانتقادات الجماهيرية الموجّهة لهم بسبب تلك.


قائمات سوداء


بعد ثورة يناير، وبنزول عدد كبير من الفنانين إلى الميادين للمطالبة مع الشعب المصري بإسقاط النظام، واتجاه عدد آخر منهم لإبداء آرائهم المؤيدة لنظام مبارك، ظهرت القائمات السوداء التي تضمّ عددا من الفنانين المناهضين للثورة والمؤيدين للرئيس المخلوع مبارك، وساهمت هذه القائمات آنذاك في الحشد الجماهيري ضدّ عدد من هؤلاء، وصلت إلى حدّ الامتناع الجماهيري عن مشاهدة أفلامهم في دور العرض السينمائية، وهو ما حدث مع الفنان طلعت زكريا الذي شنت حملات ضدّه لمقاطعة فيلمه في ذلك الوقت “الفيل في المنديل”.

المواقف والثنائيات ذاتها تكررت مع أحداث 30 يونيو، ونزول عدد كبير من المصريين للمطالبة بإسقاط حكم الإخوان، إذ شارك العديد من الفنانين في أحداث 30 يونيو بل وحرصوا على الدعوة إليها بكثافة، وعلى من بينهم هؤلاء الفنانون إلهام شاهين وآثار الحكيم وأحمد بدير وهشام سليم.

على صعيد الدول العربية الأخرى لم يختلف الموقف، إذ واجه الفنانون الإشكالية ذاتها، وكانت سوريا على رأس تلك الدول التي وضعت قائمة سوداء للفنانين المؤيدين لنظام الرئيس السوري بشار الأسد تتقدّمهم الفنانتان سلاف فواخرجي ورغدة.


تأييد السيسي

فريد: مشاركة الفنان برأيه في الأحداث السياسية هي مسألة شخصية


وفي الوقت الراهن، تعود إشكالية تلك المواقف السياسية للفنانين للظهور مرة أخرى على الأخص في مصر، بعد أن أعلن العديد من الفنانين تأييدهم الواضح للمشير عبدالفتاح السيسي رئيسا للجمهورية، بل طالبه البعض للترشح بشكل قوي وظاهر، وعلى رأسهم الفنانون حسن يوسف وسامي العدل وآثار الحكيم وشريف منير، وغيرهم كثير ممن خرجوا في المظاهرات المؤيدة له ولأحداث 30 يونيو، مما يجعل التساؤل حول تأثير ذلك على شعبية وجماهيرية الفنان يعود مجددا للظهور، وهل الحياد هو الخيار الأمثل للفنان كي يتجنب هجوم جمهوره عليه وعزوفه عن متابعة أعماله كما حدث في السابق؟

الناقد الفني سمير فريد قال في تصريحات خاصة أن مشاركة الفنان برأيه في الأحداث السياسية هي مسألة شخصية تتعلق باختياره الذاتي، مشيرا إلى أن ذلك لا يؤثر بشكل أو بآخر على شعبية الفنان وإقبال الجمهور عليه.

وأكد أن جماهيرية الأفلام أو الفنانين لها معاييرها الخاصة المتعلقة بالسوق، ولا يمكن أن تتأثر بموقف الفنان أيًا كان، منوّها في الوقت نفسه أن الفنان من حقه أن يبدي موقفه السياسي، ولكن دوره الأساسي يظل في عمله الفني وليس السياسة.


للفنان رسالة

البشلاوي: موقف الفنان السياسي من الممكن أن يضيف له أو ينتقص منه


الناقدة خيرية البشلاوي اختلفت مع الرأي السابق، حيث قالت إن موقف الفنان السياسي من الممكن أن يضيف له أو ينتقص منه قائلة: “الحاكم في هذه المرحة هو الشعب، فهناك تيار شعبي جارف يؤيد ترشيح المشير السيسي رئيسا للجمهورية لإحساسه بأنه شخصية من الممكن الاتكاء عليها لحل المشاكل نظرا لانتماء السيسي إلى مؤسسة قوية أثبتت نجاحها خصوصا في ظل السنوات الثلاث الأخيرة”.

وأضافت قائلة: “حين يأتي الفنان ويعارض ذلك الاتجاه الشعبي الجارف فذلك ينتقص منه بلا شك، وأيضا ينطبق ذلك على الثورات التي يؤمن بها الشعب، فمعارضة الفنان لها ينتقص منه جماهيريا، فهذه ليست مرحلة الحياد، حيث يعتبر الحياد في هذه الفترة كلاما فارغا في ظل وجود محاصرة لمصر من جانب العديد من القوى المجرمة على رأسها الولايات المتحدة”.

وأضافت البشلاوي قولها: “للفنان رسالة في الأساس، فإن كانت رسالة الفنان إنسانية فإن ذلك يدعوه إلى مساندة اختيارات شعبه، وإن كانت سياسية فإنه سيتخذ الموقف ذاته، واتجاه عدد من الفنانين لعدم إبداء مواقفهم السياسية يجعلهم في عزلة عن الشارع″.

وأكدت البشلاوي رفضها لفكرة القوائم السوداء منذ بدايتها وحتى اللحظة الراهنة، مشيرة إلى أن الشعب المصري والعربي قادر على الاختيار والفرز دون قوائم، خاصة في ظل وجود نسبة كبيرة من الأمية في مصر، وأن الشعب المصري مستمرّ في فرزه للفنانين والإعلاميين سواء في حالة وجود قوائم أو عدم وجودها، حيث تتساقط الأقنعة كل يوم وتتضح المواقف بشكل كبير.

ولفتت البشلاوي الانتباه إلى أن الفنانين الذين يعمدون إلى التسلية أو الوصول إلى الجمهور دون موقف واضح عن طريق أعمال سينمائية تجارية فإن الجمهور يضعهم في الخانة التي يستحقونها، فالشعب المصري أصبح أكثر وعيا، وصارت السياسة جزءا لا يتجزأ من حياته اليومية، وبالتالي لن يقبل بالمهرجين الذين يضعون الربح في مقدّمة أولوياتهم.


الفنان مواطن

موريس: من حق الفنانين التعبير عن آرائهم


الناقدة الفنية ماجدة موريس أكدت أن الفنانين من حقهم التعبير عن آرائهم باعتبارهم مواطنين في المقام الأول، قائلة: “الفنان لم يعد كما كان في السابق يعيش في برج عاجي بعيدا عن الأحداث، حيث صار متفاعلا مع ما يحدث وأصبح قادرا بشكل أكبر على التعبير عمّا يعيش فيه”.

وأضافت قولها: “في الماضي كان الفنانون حريصين على الابتعاد عن الحدث السياسي، ولكن الموقف اختلف في الوقت الحالي خصوصا بعد حكم الإخوان، وما شهده الفنانون من هجوم طال فنهم بداية من ترهيب بعض الفنانات لأداء أدوار بعينها، ومرورا بموجة السينما النظيفة، وانتهاء بالحرب التي شنتها جماعة الإخوان المسلمين ضدّ الفن والفنانين، ومن ثم شعر الفنانون بقيمة آرائهم خاصة بعد الهجوم الذي طال الفنانة إلهام شاهين والذي نجحت في مواجهته”.

وأضافت موريس قولها: “عدد كبير من الفنانين المصريين أبدوا تأييدهم للمشير السيسي شأنهم شأن عدد كبير من المصريين بعد أن استشعروا الخطر على الفن أثناء حكم الإخوان، فالحياد في هذه الفترة لم يعد مجديا، وعلى الفنان أن يعبّر عن رأيه وأن يتحمّل نتيجة آرائه، فما حدث على مدار أكثر من عام من ضرب وتفجيرات وقتل جعل العديد من غير المعنيين بالشأن السياسي أكثر انخراطا فيه وتعبيرا عن آرائهم”.

وأشارت موريس إلى أن الفنان عليه أن يختار ما بين أن يظل محايدا ويكسب جمهوره العريض، أو أن يتحمّل نتيجة آرائه وما سينجم عن ذلك من فقدان جزء من جماهيريته، لافتة الانتباه إلى أن اختيار الفنان لأن يكون مواطنا ويعبّر عن رأيه سيكون أهمّ من الشهرة، خاصة في تلك اللحظات الفاصلة.

* بالتعاون مع وكالة أنا برس

15