الفنان محمد عبلة يؤسس مدرسة لتعليم الكاريكاتير في مصر

الفنان التشكيلي محمد عبلة يسعى لحفظ فن الكاريكاتير من خلال إنشاء مدرسة متخصصة لتعليم الصغار والكبار.
الجمعة 2020/03/13
جانب من معروضات المتحف الذي أسسه محمد عبلة

الفيوم (مصر) - يعتزم الفنان التشكيلي محمد عبلة إنشاء مدرسة متخصصة في تعليم “الكاريكاتير” للصغار والكبار قريبا، بمشاركة مجموعة من الرسامين المصريين المشهورين لحفظ فن يعتبره كثيرون مرآة عاكسة للأوضاع السياسية والاجتماعية، بمناسبة مرور عقد على افتتاحه متحف الرسوم الساخرة بمحافظة الفيوم في جنوب غرب القاهرة.

المتحف المبني على الطراز النوبي في قلب واحة صحراوية مليئة بالنخيل، يعقد فعاليات فنية تمتد حتى نهاية مارس المقبل، بمشاركة فنانين من مشارب مختلفة، بعد أسابيع فقط من استضافته لورش فنية لتجميع الأعمال الخاصة بالشباب وعرضها على كبار الرسامين لتشجيعهم، بجانب مسابقة دولية للرسم الصامت والبورترية الساخر.

يرتبط الفنان محمد عبلة بعلاقة فريدة مع عالم الكاريكاتير منذ طفولته، فالفنان الشهير أراد مزاولته بشدة لكنه افتقد حس الدعابة، وحول شغفه إلى إنشاء المتحف الوحيد من نوعه في الشرق الأوسط في قرية تونس بالفيوم الذي يضم لوحات ومقتنيات نادرة لكبار الفنانين المصريين الراحلين.

وقال لـ“العرب” إن حبه للكاريكاتير تحول إلى هواية لا يزال متعلقا بها فجمع على مدار حياته رسوما تخلد فنا ارتبط بعصر الفراعنة، عبر تسجيلها على قطع من الأحجار والبرديات المختلفة أو جدران المعابد، واستخدمه العمال في انتقاد الملكة حتشبسوت لعدم منحهم الأجر والطعام الكافيين، ورسموا قطا يخدم فأرا يرتدي زي كبار الدولة، وأسدا يلعب مع فريسته للسخرية من ضعف الملكة.

تشارك في مدرسة الكاريكاتير مجموعة من الرسامين المصريين المشهورين باتجاهاتهم الفنية المختلفة

تشهد الصحافة المصرية تراجعا حاليا في مساحات نشر الأعمال الكاريكاتيرية التي تحمل مساحات كبيرة من الانتقاد للمسؤولين، وسط سيادة اعتقاد بأن الحكومة لا تتقبل طبيعته كفن يعتمد على المبالغة في القضايا التي يتناولها.

أكد الفنان التشكيلي الذي كان من بين أعضاء لجنة الخمسين التي ساهمت في إعداد الدستور المصري السابق، وشارك في غالبية لوحات الغرافيتي بميدان التحرير في خضم ثورة 25 يناير 2011، أن الكاريكاتير قادر على التعبير عن قضايا غاية في المأساوية عبر رسومات تجلب الضحك والسخرية معا.

أوضح عبلة لـ“العرب” أن تعلقه بالكاريكاتير دفعه إلى حفظ تراث يعاني تجاهلا من المؤسسات الثقافية الرسمية، فمؤسسة دار الهلال (حكومية) التي ضمت أهم مجلات الكاريكاتير في مصر ضاع أرشيفها المصور بالكامل لعدم العناية بحفظه، وصحيفة الأهرام الحكومية أيضا لا تملك حاليا أصول رسومات أشهر رساميها، صلاح جاهين.

زادت أهمية المتحف بعد حريق المجلس الأعلى للصحافة منذ تسع سنوات، وضاع معه الكثير من التراث الصحافي لمصر المحفوظ على أشرطة “المايكرو فيلم”، وهو شريط فيلمي ملفوف حول دائرة بلاستيكية، و“المايكروفيش”، وهو بطاقة فيلمية مسطحة تترتب فيها اللقطات بشكل أفقي وعمودي.

يضم متحف الكاريكاتير صحفا نادرة منذ النصف الأول في القرن الماضي، مثل أعداد من “الفكاهة” و“اضحك” و“الكشكول” و“الشعلة” و“الجيل الجديد”، بإجمالي نحو 500 لوحة كاريكاتيرية تتضمن نقدا للأوضاع السياسية والاجتماعية بشكل مباشر أو غير مباشر.

متحف الكاريكاتير في الفيوم.. أسسه الفنان قبل 10 سنوات
متحف الكاريكاتير في الفيوم.. أسسه الفنان قبل 10 سنوات

ويحوي الكثير من الأعمال النادرة للفنان يعقوب صنوع، أستاذ الريشة الحادة، الذي اعتاد توجيه انتقادات حادة للمسؤولين، وأنشأ مجموعة كبيرة من الصحف التي كانت دائما ما تتعرض للإغلاق بسبب قوة رسومه مثل: “من أبونظارة” إلى “رحلة أبونظارة” و“النظارة المصرية”، و“أبوصفارة” و“أبوزمارة”، ثم “الحاوي” و“الوطني المصري”.

لم يزاول عبلة فن الكاريكاتير لكن نقل فحواه إلى لوحاته التي تتضمن متاهات ودوامات الحياة التي يغرق فيها المصريون بحثا عن لقمة العيش، ولا تخلو أعماله من وجوه أبناء المدينة الصاخبة أو العاملين فيها والعابرين منها، مع مسحة حنين دائمة للطين والنيل اللذين ارتبط بهما على مدار حياته ربما لنشأته في بيئة ريفية بمحافظة الدقهلية شمالي القاهرة.

وأشار لـ“العرب” إلى أن مصر بها تراث نادر للرسوم الساخرة في الشرق الأوسط وأفريقيا، رغم أنها جاءت تالية بعد الشام في الطباعة وظهور الصحافة، بسبب الأسلوب الخاص ومواكبة الأحداث المجتمعية والواقعية والطبيعة الشخصية لغالبية السكان في ميلهم للسخرية والنكتة كوسيلة للنقد السياسي.

ولفت إلى أن متحفه شجع رسامي الكاريكاتير على تدشين معارض خاصة، وتحول إلى نواة لتكتل الرسامين لإنشاء جمعية لهم ذات مقر تدرس مشاكلهم وتحاول حلها.

يُعتبر عبلة من التشكيليين القليلين الذين لم يتعاملوا بحساسية مع الكاريكاتير، فرغم كون الأخير الأكثر شعبية بين الفنون التشكيلية، لكنه لا يحظى باهتمام وتقدير النقاد والباحثين الذين يرونه ولد عاقا.

مع انتمائه إلى التشكيل بالوراثة، غير أنه عاش في أحضان الصحافة حتى بات مصنفا كمقال مرسوم للرأي، سواء اعتمد على الرسم فقط أو تضمن نصا في الرسم يأتي لتفعيل مضمونه الكوميدي بصورة أكثر وضوحا.

وصمم المتحف على هيئة قباب ملحقة بفتحات زجاجية لدخول ضوء الشمس، ووضع الكاريكاتير على قدم المساواة مع الفنون التشكيلية الأخرى بلا تمييز، ليندمج في بعض اللوحات القديمة ويعبر عن مياه الأنهار والطبيعة التي تلتصق بعالم محمد عبلة، وتنقله المستمر بين منزله بجزيرة القرصاية وسط نيل القاهرة والتي يقطنها البسطاء، ومتحفه في الفيوم ويظل في خلفية الرسامين الشباب الذين يفدون إلى قرية تونس لتصوير الحياة البكر داخلها.

تؤرخ الأعمال المعروضة في المتحف لاهتمامات الفنانين التشكيلين خلال السنوات التسع الأخيرة التي تراوحت بين مهاجمة عنيفة لعهد الرئيس الأسبق حسني مبارك وتأييد ثورة يناير، وفضح التنظيمات المتطرفة وجماعة الإخوان، والتركيز على المفارقات الإنسانية.

17