الفنان ناصر حسين يخرج من عباءة العاطفة

شخوص الفنان التشكيلي السوري تتجاهل أو تتعالى على القلق الذي تشعر به أو تتأقلم معه، وتتبنى الغربة كأسلوب معاصر للعيش.
الجمعة 2019/01/18
انتصار لثيمة المؤقت

"وقت مُستعار"، هو عنوان المعرض الذي يقدمه الفنان التشكيلي السوري ناصر حسين لأعماله الجديدة، وهو ابن مدينة حلب والمقيم في برلين منذ عام 2012، وقد شغلت مجموعة الأعمال الفنية ذات القياسات المختلفة المساحتين اللتين تتألف منهما صالة “أجيال” البيروتية، وهي أعمال مشغولة بمادة الأكريليك والألوان المائية التي طغت عليها الألوان الترابية الباهتة.

بيروت - يكشف معرض “وقت مُستعار” الذي تحتضنه حاليا صالة “أجيال” البيروتية عن ميل الفنان التشكيلي السوري ناصر حسين في أعماله الحالية والسابقة على السواء إلى “مزاج” الألوان المائية، لا سيما في قدرتها الفائقة على التسرب والتفشي في حدود الأشكال التي يحددها لها الفنان، ولكن من دون أن يفرض عليها قوانينه الصارمة.

فعندما نتأمل في سياق ونبض ريشته على سطح اللوحات تبدو لنا الملامسة الطفيفة على أنها الحركة الأساسية المُشكلة لأعماله، حركة لا تريد أن تغور في جوف الأشياء وتلافيفها، بل تريد أن تتوجه إلى ذات الفنان وإلى الناظرين إلى وتيرتها البصرية على أنها زائرة لا تريد أن تحل أو تستوطن أي حيز كان، داخليا كان أم خارجيا، وتنم هذه الرغبة في ملامسة الموجودات عن حساسية الفنان السوري وهدوئه الذي، على ما يبدو في لوحاته، يريد أن يظل كذلك.

كما تذكر شخوص وكائنات لوحاته في معظمها بأثر البن الذي يطبع صوره على جدران فناجين القهوة، يتساءل زائر المعرض أمامها: هل هي لهشاشتها صورة عن ذاتها أم هي مجرد أثر؟

شخوص وكائنات لوحات الفنان السوري تذكر في معظمها بأثر البن الذي يطبع صوره على جدران فناجين القهوة 

شخوص الفنان التي غالبا ما تسند ظلالها أو تنحني كالأوراق أو تنعطف كالنسمات  تبدو وكأنها تتجاهل أو تتعالى على القلق الذي تشعر به أو تتأقلم معه، فيغشى عيني أحد شخوصه البياض دون أن يعني ذلك أبدا فقدان البصر.

وتتبنى شخوصه الغربة كأسلوب معاصر للعيش وجب أن تتلاقى فيه مختلف أنواع البشر، ليس ليقيموا علاقات وطيدة أو دائمة، بل لكي يتبادلوا ويتكاملوا، وحين يحدث ذلك، ويبدو أنه يحدث ذلك كثيرا في لوحاته، يغادر كل شخص الآخر أو المكان الذي مكث فيه لفترة من الزمن دون لوعة الحنين.

لذلك ربما لا تتميز الأماكن التي تشغل فضاء لوحاته بخاصية ما، ويمكن أن تكون خلفية أو جغرافيا لأي مساحة من العالم، وربما لأجل ذلك تبدو السلالم والمراوح والمرايا في لوحاته مخارج باردة لا تسجل انطباعا يُذكر، المهم هو الشخص العابر للمرايا والمُستقل للسلالم والنافذة روحه من بين شفرات المراوح.

الشخص العابر للمرايا
الشخص العابر للمرايا

“تستعير” شخوص الفنان ناصر حسين أشكالها من العالم الواقعي، طول فترة المعرض قبل أن ترق وتشف تمهيدا لمرحلة التلاشي تاركة أقمشة اللوحات إلى تساؤلات بياضها عندما تنطفئ أضواء الصالة وينتهي زمن المعرض. كذلك تبدو ثيمة المؤقت من أهم ما يميز أعمال الفنان، أما شعاره فربما يكون في سياق هذا المنطق “كن عابرا فليس هناك ما أو من يريد لك غير ذلك”.

الألوان الباهتة، التي تنعقد وتتكثف أحيانا، تنتشر في لوحاته لتشي بغياب درامي لتورط الفنان في محيطه المباشر من جهة، وفي نوع من الاستخفاف بديمومة الأثر النفسي الذي تتركه المادة الملونة التي يستخدمها للتعبير، وللمفارقة، عن ألم اللا مبالاة من جهة أخرى.

الكتيب الذي قدمته صالة “أجيال” لزوار المعرض تضمن نصا للفنان التشكيلي السوري يوسف عبدلكي يقدم فيه أعمال الفنان ناصر حسين بهذه الكلمات “تخرح أعمال ناصر حسين من عباءة العاطفة، فهذا المصور الذي درس في دمشق ودسلدروف لا تستهويه الأبنية المتينة، ولا حسابات الضوء والعتمة، ولا عقلانية الألوان وصرامة توزيعها على سطح اللوحة، إذ أنه رغم معارفه بذلك بحكم دراسته الأكاديمية الطويلة، مأخوذ بالتعبير الذاتي عن الأشخاص والموجودات، مما يقوده في العديد من الأحيان إلى خيمة السخرية، ذلك المعدن الثمين النادر في تاريخ التصوير، فيلج فيها متجاهلا ما يمكن أن يوصم عمله بالخفة..”.

الوحدة صيغة وأسلوب حياة
الوحدة صيغة وأسلوب حياة

ولعل هذا التجاهل هو ما ساهم مساهمة مباشرة في تشكيل عالم الفنان ناصر حسين الخاص، أما “الخفة” التي وصل إليها فهي تماما كما الثلج عندما يكلل الجبال البركانية، جبال أخرجت من أرحامها شخوصا مرتجفة دخانية ومجهولة الهوية وتهدد بالتبدد إن اجتهدنا في تفكيك ماهيتها.

لذا، فليقتصر حضورنا في صالة العرض على تنشق الطرافة التي تنضح بها لوحاته، حيث الألم تحت السيطرة الكاملة، والوحدة صيغة وأسلوب حياة، والحب يمنح رواده خفة الطيران واستضافة العصافير على أغصان تكاد تكون أطرافا بشرية، وحيث الفرد العاشق يهوى سذاجة المراوح ومناكفة المرايا عن طيبة خاطر، وأيضا، حيث تنتصب لوحة ربما هي من أجمل لوحات المعرض يتسيدها سيد شخوص اللوحات كلها: الرجل/الشجرة، النحيل بنحالتها والملون بلونها وبموقفه الخاص من الوجود الذي لا يعدو أن يكون أكثر من عصفور شفاف يقف على رأس غصن بالغ الدقة.

17