الفندق الأزرق باب من أبواب الغياب

الأحد 2014/11/30
لست أنا من يكتب هذا.. هي صخور يبرود

كان عليهم أن يربطوني بالبلد، فكلما غادرته مات لي صديق: رياض الصالح الحسين، وفواز الساجر، وسعيد مراد، وسعيد حورانية، وسعدالله ونّوس، وأختي مريم، ونمير. كلهم استغلّوا غيابي ليفعلوها.


***


أعرف أن لا جدوى مما أحاول صنعه.. لكن.. كيف أواجه الحلم؟


***


مع انتهاء اليوم ، وقبل الارتماء على فراش لا يسأل من أنت ، أمارس طقسًا مازوشيًا وأقول لنفسي “أرأيت أنك لا تنفع لشيء؟”.

“سأحاول غدًا.. سأحاول” أجيب لنفسي.. علّها تقبل الموت المؤقّت.


***


سئمت التباكي. عاشرت لاجئين ونازحين إسبانا وتشيليين ويونانيين وقبلهم من الروس البيض و.. وما أفادهم التباكي بشيء. بعضهم عاد بعد حين وآخرون لا.. وبلادهم ما زالت.

لست أنا من يكتب هذا.. هي صخور يبرود.

أما من عمل تقومون به؟


***


سألت صديقًا عزيزًا يقيم في يبرود: “هل ترى مناسبًا أن أحاول الذهاب إلى يبرود؟”.

” بالتأكيد لا ” أجابني.

يبدو أن غيابنا كاف لإدانتنا.


***


الاستغراق بالعمل الذي يسمّونه مبالغة “إبداعيًا” باب من أبواب الغياب عمّا حولك. من هنا تعلّقي بالمشغل.

اليوم أنجزت رأسًا، أشبه برأس مجنونة.

سأرى غدًا ما إذا كان يشبهني.


***


سئلت عن المثقّف ودوره الآن فأجبت: بداية، لا تروق لي مفردة “المثقف”، لأن كثيرًا ممّن يدّعون الثقافة لقبًا وصنعة هم بعيدون عنها.

أن تعرف القراءة والكتابة وتحمل الشهادات لا يعني أنك صرت في مصاف “المثقفين”. اعتدنا في مجتمعاتنا، التي تغلب عليها الجهالة، استسهال الألقاب، فيُقال عن هاوٍ من الدرجة الرابعة ” الفنّان” أو “الشاعر” أو… قلائل ونادرون من يمكن وصفهم بالثقافة عن جدارة، وقد تجدها، حسّاً وسلوكًا عند فلاّح أو عامل لا يفكّ الحرف.

أن يُطبع لك كتاب لا يجعلك مبدعًا. ما أكثر ما يُطبع من تفاهات!

ثم أن الأنظمة المستبدّة تُعنى كثيرًا في تجهيل شعوبها وشغلها بالسخافات التي تقطر من جميع الأقنية التلفزيونية ومن المنابر المسموح بها لخدمة الحاكم، فكيف يمكن أن تتشكّل فئة من الفاعلين ثقافيًا؟

عندنا بالطبع أصوات واعية وقديرة، لكنها تضيع هباء. هل تتصوّر عدد المصريين الذين قرأوا أو اطّلعوا على أعمال نصر حامد أبو زيد؟ أو وصول صادق جلال العظم إلى بيوت السوريين؟

قلائل ونادرون من يمكن وصفهم بالثقافة عن جدارة

لا أجد أثرًا للمثقفين في مجتمعاتنا ، فكيف لهم أن يؤثروا في صناعة الرأي العام؟ وما الجهة التي تتيح لهم منبرًا لإيصال أفكارهم؟

أما مرتزقة “الثقافة” الرسمية فحدّث ولا حرج.


***


صار خلقي ضيقًا، وإلاّ لترجمت قصص البيروفي خوليو رامون ريبيرو.

يصيبني الخجل والأسى.. أعرف من كتاب أميركا اللاتينية ما لم يصلكم.

خلف أي جائزة نوبل عشرات الجوائز الخفيّة.

لو تعلمون ( كيلا أكرّر ألا فاعلموا وينتقدني بدر)


***


يقول خوليو كورتاثار في قصيدة جميلة لمواطنه تشي غيفارا:

“إنما الشاعر أنت”.


***


كنت الثاني بين إخوتي، وجئت مختلفًا عن أخي عمر، لون عينيّ، شكل الوجه.. فكان البعض يمازحون والديّ “هذا يشبه شرطي الحارة!”.

لحسن الحظّ أنهما أنجبا مزيدًا على النمطين وأسكتا فكرة الشرطي.


***


الانتحار حلّ، أعترف به وأحترمه، وربما خطر لي سابقًا، لكن.. ليس الآن، على الرغم من كلّ ما فقدته.

أريد رؤية سقوط الطغاة.


***


في بيت (كهف) بندر عبدالحميد ذاك ما أكثر من التقينا. كان سكّان دمشق مداومين ويحجّ إليه من أتى من خارجها. فيه التقيت العجيلي وبدرخان وآخرين، لكنّ الخلطة كانت عجائبية إلى درجة أن في 12-12-1984 وبعد اعتقالي عند الحدود الأردنية بتهمة تعاوني مع مجلة ” الحرية” الفلسطينية ونقلي إلى “الفندق الأزرق” في عمّان سألني المخبر المحقّق عن المكان الذي أجتمع فيه بأصحابي فذكرت مقهى الروضة والهافانا والنوفرة.. قال: “لا، في أي بيت” أجبت “في بيتي” ، علّق “نعرفه، في المزرعة قرب مطعم الشلاّل. وأين أيضًا “فخطر لي كهف بندر لأنه اعتاد عجينة عجائبية من الروّاد، ذكرته فقال “ذلك القريب من شارع العابد والمليئة جدرانه بالصور؟”. كان قد زاره العكروت!


***


قديمًا ، عندما كان يسألني من لا يهمّني أمره “من أين أنت؟” كنت أجيب “من أماكن كثيرة “.

منذ 2011 أجيب أيّا كان “من سوريا”.


نحات وكاتب من سوريا مقيم في غرناطة


11