الفنون تعيد للعاصمة اللبنانية لقب "باريس الشرق"

معالم ثقافية عديدة تحفل بها العاصمة اللبنانية، مثل متحف بيروت للفنون ومتحف سرسق ومركز بيروت للفن، تنعش الحركة الفنية بعيدا عن أهوال الحرب.
الخميس 2018/03/22
بوابة المتاحف تخرج اللبنانيين من حطام الحرب

بيروت- يقف مبنى متحف بيروت للفنون شامخا عاليا كعملاق ثقافي آخر يضاف إلى المعالم الثقافية العديدة التي بدأت تحفل بها العاصمة اللبنانية، مزهوّا بحديقته المليئة بأعمال النحت وقاعاته الواسعة لعرض الأعمال الفنية وبرجه المركزي الذي يبلغ ارتفاعه مئة متر، منبثقا من تركة الحرب الأهلية اللبنانية.

ويقع هذا المتحف المقرّر افتتاحه عام 2020 بالقرب من الخط الفاصل السابق بين القوات المسيحية والإسلامية التي اشتركت في الحرب الأهلية اللبنانية من عام 1975 حتى عام 1980، وهو يعتبر رمزا للمصالحة بين طوائف هذه المدينة الشرق الأوسطية.

يعدّ متحف الفن المعاصر من بين المراكز الفنية البارزة التي افتتحت أو أعيد افتتاحها خلال الأعوام الأخيرة، حيث تسعى بيروت إلى استعادة سمعتها السابقة بأنها “باريس الشرق”.

 

الفنون تمحو جراح الحرب والطائفية والاحتقان السياسي وتجمع بين قلوب الشعب الواحد، هذا المبدأ دفع بالبعض من اللبنانيين إلى بعث فضاءات فنية وثقافية لجمع الفنانين اللبنانيين لتقديم عروضهم الفنية وعرض لوحاتهم التشكيلية، واستدعاء المبدعين الأجانب للاطلاع على تجاربهم والانفتاح على تجارب التسامح والإقبال على الحياة

ويقول رجل الأعمال طوني سلامة “إنني أطمح إلى أن يختفي الحديث عن بيروت كمدينة للأزمات والحرب”، وجمع سلامة ثروته من الحصول على تراخيص لإنتاج العلامات التجارية الشهيرة من الملابس الجاهزة في العاصمة اللبنانية، وأصبح الآن قوة محركة ودافعة لتجديد الحياة الفنية في بيروت وإنعاشها.

وأسس سلامة مؤسسة “آيشتي” في أكتوبر 2015، حيث أقام مجمعا تبلغ مساحته 40 ألف متر مربع مكرّسا بالكامل لكل ما ينتمي إلى الثقافة المعاصرة، وتتراوح المعروضات ما بين الفن إلى التصميم ومن المعمار إلى الأداء الفني. كما يستضيف هذا المجمع “بوتيكات” للأزياء ومطاعم ومقاهي، وصمّم المجمع المعماري البريطاني الشهير ديفيد أدجاي والذي قضى فترة من طفولته في بيروت.

ونجح سلامة الحاصل على شهادة في القانون تؤهله للعمل بالمحاماة في جمع مجموعة خاصة تضمّ أكثر من ألفي قطعة وعمل فني خلال 15 عاما، وتشمل هذه الأعمال قطعا فنية أبدعها فنانون عالميون مثل ولفغانغ تيلمانز وسيندي شيرمان وجون أرمليدر، ووضعت هذه الأعمال داخل المعرض الرئيسي الذي يحمل عنوان “خدعة العقل” والذي يمثّل في نفس الوقت تأمّلات في أحوال الماضي، كما يطرح تساؤلات حول الهوية واحتمالات المستقبل.

غير أنه مع الذكريات المؤلمة التي لا تزال محمّلة بقوة بأحداث الحرب الأهلية التي سقط خلالها 120 ألف قتيل، ومع سعي العاصمة اللبنانية إلى تغيير الصورة السائدة عنها حاليا، تتعرض بيروت لتهديد متواصل يأتي من جانب الأزمات السياسية والمواجهات التي تتعرض لها وتسودها أعمال العنف. ويوجد في لبنان بشكل عام توازن هشّ بين السنة والشيعة والمسيحيين، الأمر الذي يثير المخاوف من تجدّد الصراع.

وفي نوفمبر الماضي راقب العالم بقلق التهديد الذي تعرض له لبنان مرة أخرى بسبب استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري، ولكنه سحب استقالته بعد ذلك بوقت قصير واستمرّ في منصبه.

غير أنه من ناحية أخرى أدّت هذه الحالة من التقلب وعدم الاستقرار إلى دعم إعادة الميلاد الثقافي لبيروت خلال الأعوام الأخيرة، وتمّ ذلك من خلال بناء مجموعة رائعة من المتاحف افتتحت أو تمّ إعادة افتتاحها بعد تجديدها.

ومن بين هذه المتاحف متحف سرسق الذي أعيد افتتاحه عام 2015 بعد انتهاء عملية تجديده التي استغرقت ثمانية أعوام، والمتحف الوطني الذي يضمّ أكثر من ألفي قطعة أثرية، ومركز بيروت للفن. وتستضيف العاصمة اللبنانية منذ عام 2010 معرض بيروت للفنون، الذي يعتبر نفسه جسرا يربط بين الشرق والغرب.

كما أن تأثير هذا الجسر الحضاري يتضح أيضا من خلال مركز بيروت للفن الكائن بالقرب من شارع دمشق، الذي يمثّل “الخط الأخضر” الذي كان يقسم المدينة أثناء الحرب الأهلية، وذلك وفقا لما تقوله هالة وردة المصمّمة المعمارية الفرنسية من أصل لبناني التي صمّمت مبنى المركز.

وتوضح وردة التي ولدت في بيروت أن الهدف من إقامة مركز بيروت للفن يتمثّل في إقامة “منارة حضرية متوهّجة يمكن تمييزها”، وعملت وردة مع المعماري الفرنسي البارز جان نوفل لأكثر من 20 عاما، ومن أبرز أعمالهما المشتركة تصميم متحف اللوفر بأبوظبي والذي يعدّ أول متحف عالمي يقام في العالم العربي.

وعاش كثيرون من أصحاب المواهب المنخرطين في عملية الإحياء الثقافي في بيروت، مثل وردة، في دول أجنبية أثناء الحرب الأهلية، ومن بينهم جومانا العسيلي التي تدير قاعة “المرفأ” لعرض الأعمال الفنية في منطقة الميناء من العاصمة منذ عام 2015، ودرست جومانا الفن والمعمار في باريس واكتسبت أول خبرة لها عندما عملت كوسيط في بيع القطع الفنية في لوس أنجلس.

وعندما يوجّه لها السؤال حول ما الذي دفعها إلى العودة لموطنها، لا تتردد جومانا في الإجابة بقولها إن “الفنانين في بيروت يحتاجون إلى منصة يعرضون عليها أعمالهم لأن لديهم الكثير ممّا يريدون التعبير عنه”.

وفي مقابلة صحافية أجرتها جومانا عام 2017 قالت إن لبنان عانى الكثير طوال الأربعين عاما الماضية، والفن المعاصر في لبنان اقتات على الدوام على الأحداث والأوضاع السياسية والاجتماعية التي مرّت به. ومع ذلك فهي ترى أيضا أن المشهد الفني لديه أيضا صوته المستقل الخاص به الذي يعبّر عن ذات الفنان.

وأضافت جومانا “في حين عبّر الفنانون الذين ينتمون إلى جيل ما بعد الحرب الأهلية بوضوح عن القضايا التي تدور حول الحرب وتداعياتها وهي القضايا التي كانت تشغل بال المجتمع وقتذاك، فإن الفنانين اليوم يتخذون اتجاهات في التعبير تتسم بدرجة من المشاعر الذاتية والفردية”.

20