الفن البدائي: نتاج كاليدونيا الجديدة.. من التحقير إلى التثمين

الاثنين 2013/11/04
الآثار الفنية لـ"الكاناك".. طواطم وأقنعة وقلائد وأصنام تحكي حضارة 3000 سنة

باريس – من 15 أكتوبر 2013 وإلى غاية الـ26 من يناير 2014 يقام في متحف رصيف برانلي بباريس معرض بعنوان "الكاناك"، وعنوان فرعي "الفن كلمة"، يضمّ ما يقارب ثلاثمائة عمل فنيّ أصيل، هي خلاصة نتاج سكان كاليدونيا الجديدة عبر العصور، تنتمي إلى جنس من الفن اختلف النقاد والمؤرخون في تسميته.

جرت العادة لدى نقاد الفن أن يطلقوا عبارة "الفن البدائي" على أنماط الفنون التي صاغتها ولا تزال تصوغها بالفطرة شعوب لم تأخذ بأسباب المدنية، ولم تزاول لتملك أدواتها غير الاحتذاء والموهبة والاحتفاء بطقوس وعادات تنظم حياتهم، ولكن تلك التسمية بدت تحقيرية لدى الشعوب المعنية لارتباطها بالاستعمار، فاستعاض عنها النقاد منذ سنوات بعبارة "الفن الأول".

وبرغم ما في هذه التسمية من تميز عن سابقتها، فإنها لم تخل هي أيضا من مآخذ بوصفها تعبيرا عن تصور تغلب عليه الإثنية المركزية للمجتمعات البشرية، تكون المجتمعات الغربية على ضوئه منتجة لـ"فنّ مكتمل" يناقض "الفنون الأولى" كنتاج لشعوب بقيت في وضع بدائي أقرب إلى حياة القرون الغابرة، خصوصا وأن تجليات ذلك الفن، سواء في أفريقيا أو أقيانوسيا وسواهما، تخالف أشكال الفنون في العصر القديم.

وقد طرحت هذه المسألة عند بعث متحف برانلي بباريس في عهد الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك؛ وتردد القائمون على الشأن الثقافي في تسمية تلك المؤسسة التي تمّ إنشاؤها لاستقبال فنون توصف مرة بالفن المتوحش، ومرة بالفن القبلي، ومرة ثالثة بالفن الإثنوغرافي، ومرة أخرى بالفن التقليدي أو الموغل في القدم، وانتهوا إلى اقتراح "متحف الفنون الأولى"، ولكن ذلك الاختيار قوبل بالرفض هو أيضا للاعتبارات التي أسلفنا، فوقع الاتفاق على اسم محايد لا يحمل سوى عنوان المتحف الذي يقع على رصيف برانلي، قبالة نهر السين، غير بعيد عن برج إيفل، على غرار أغلب المتاحف الباريسية الأخرى.

وقد درج منذ افتتاحه على استقبال أعمال فنية من وراء البحار والمحيطات، للتعريف بفنون لم تعد تثير اهتمام علماء الأنتروبولوجيا وحدهم، بعد أن استفاد منها أعلام كبار في طليعتهم بيكاسو في مرحلته التكعيبية.

المعرض يُوفق في الجمع بين وجهتي نظر الكاناك والبحّار


طواطم وأقنعة


الأعمال المعروضة أبدعها سكان أرخبيل في أوقيانوسيا لا يزال خاضعا للحكم الفرنسي يعرف بكاليدونيا الجديدة، وهو الاسم الذي أطلقه عليه الرحالة البريطاني الشهير جيمس كوك عام 1774، لأن سواحله كانت تذكّره بسواحل كاليدونيا (الاسم القديم لاسكتلندة). ويعرفون بالكاناك وتعني بلغة سكان جزر هاواي رجالَ البِحار الجنوبية. وهم قوم أشدّاء ملتحمون بتربة استوطنوها منذ ثلاثة آلاف عام، وعاشوا على أديمها عيشة بدائية، ليس لهم ملوك ولا ممالك، ولا من يسوسهم سوى رؤوس العشائر المتناثرة، الذين تقام لهم أكواخ على الربى القريبة تزيّن مداخلها بركائز من الخشب المنقوش، يزارون فيها كما يزار الأولياء الصالحون. ومن ثَمّ فليس للكاناك قرابين يرفعونها في مناسبات معلومة إلا لذاكرة أجداد تحاك حول سيَرهم الأساطير، في شكل حكايات شعبية، أو في هيئة طواطم وأقنعة وقلائد وأصنام من خشب أو حجر، لا يزال بعضها حاضرا -برغم النهب المنظم- يشهد على ماض ضارب بجذوره في غياهب التاريخ.

يحتوي المعرض على خمسة عناوين كبرى هي الكلمة، والمسكن، والإنيام (وهو جنس نباتات نشوية معمّرة يُعتقد في قداستها بوصفها حاضنة الإنسان الأول تيا كاناكي ولا تزال ترمز إلى الإنسان وتحترم ككائن بشري)، والأسلاف والفرد، وهي في عمومها دالة على الثقافة اللامادية كما حددتها منظمة اليونسكو، لأن ثقافة الكاناك حتى وقت قريب شفوية بالأساس، بسبب العزلة والعوامل التاريخية، وكذلك بسبب الاستعمار (البريطاني ثم الفرنسي) الذي اختار نفي مجرميه وبعض الفلاحين المتطوعين إلى ذلك الأرخبيل منذ 1851، فاغتصبوا الأرض وأذلوا أهلها من بعد ما كانوا أسيادا، مما أدى إلى اندلاع انتفاضات وثورات قابلتها القوات الفرنسية الغازية بالحديد والنار، دون أن تفلح في إخمادها، ولم يهدأ التململ إلا في أواسط الثمانينات، حيث وقع الاتفاق على إقامة استفتاء حول حكم ذاتي قد يقود إلى الاستقلال التام، ليرفرف علم الكاناك -المعروض في المتحف- في سماء العاصمة نوميا وأريافها.


ثقافة الكلام


الأعمال المعروضة استقدمت من كاليدونيا الجديدة، ومن متاحف العالم الكبرى في النمسا وألمانيا وأسبانيا والولايات المتحدة وسويسرا، علاوة على فرنسا. وهي عبارة عن نقوش خشبية على كفاف الأبواب، وفي سقوف البيوت، وأدوات متنوعة من سهام وعصيّ وسكاكين وتماثيل صغيرة وقطع نقدية وحلي وتحف وسواطير من اليشم، صيغت كلها بخشونة، لأن الجمالية لم تكن من أولويات الكاناك، فالأهم عندهم هو الرمزية التي تولدها تلك الأشياء في نظر الأجداد. وقد حرص المنظمون على العودة إلى المنابع الأصلية دون إهمال الجديد، ليبيّنوا، من خلال أدوات الحياة اليومية المتداولة، كيف أن تلك الثيمات الأساسية في حياة الفرد وتصوره للعالم لا تزال متواصلة في العصر الحاضر، في أشكال تختلف عن سابقتها دون ريب، ولكنها حية على الدوام، حتى لكأن الفن عندهم غير مرتبط بزمان.

ويبقى العنوان الفرعي الذي يؤكد أن الفن كلمة، فالغاية منه -حسب روجيه بولاي مندوب المعرض- إبراز ما للكلمة من وزن لدى الكاناك، حيث لا شيء يحدث دون الاستناد إلى الكلام. نجد ذلك في المحامل المادية كالمنحوتات والفؤوس والنقود والصّدف، التي تتجاوز كونها أدوات مكتفية بنفسها، لتصبح سندا لذلك الكلام، وسندا للخطاب بعامة. وكل المجتمع الكاناك، قديما كان أم معاصرا، يرتوي من فكرة الكلمة التي تتجسد في الأدوات. وحسبنا أن نشير إلى عصيّ طويلة منقوشة، مغروسة عند مدخل المتحف، تعلوها أقنعة وأقمشة و"باريو"، فهي محامل خطب وكلام متبادل بين مختلف العشائر، وبين الكاناك أنفسهم وبعض الساهرين على المتحف قبل افتتاحه، جريا على "العادة"، وهو اسم الحركة السياسية التي تناضل من أجل الاستقلال.

لقد وفق المعرض في الجمع بين وجهتي نظر، وجهة نظر الكاناك الذي يستكشف زوارا قادمين من عالم مختلف، ووجهة نظر البحّار والمستوطِن والمبشرين الأوربيين حول حياة الكاناك وكلامهم، وذلك بتجنب عرض الأعمال الفنية جنبا إلى جنب، وتقديمها للزوار وفق ثيمات محددة.

16